نيران علاء الأسواني تخلد : بــؤس العجـــــز الإنســــانـي

أغسطس 2nd, 2009 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات نقدية عن مجموعة قصص نيران صديقة

 

 

13-07-2009  

              كتبته / سلمى قاسم جودة

مجله آخر ساعه

 

 

نيران علاء الأسواني تخلد : بــؤس العجـــــز الإنســــانـي

 

علاء الأسواني مولع باقتفاء أثر المعذبين بالحياة وهم كثر.. يتوحد مع هؤلاء، ضحايا هزيمة الروح.. نذر إبداعه المجوهر علي مذبح الكرامة المفقودة.. البوابة الرجيمة المفضية إلي كل آلام وعذابات المصري الجديد.. هو يدلف إلي العالم السري لمن ضاقت بهم الدنيا بالرغم من رحابتها.. يتقن التلصص الأدبي فيلج إلي العوالم الخفية العامرة بلحظات الانكسار الحميمة، من ثقب الباب يتوغل في غياهب النفس البشرية فيرصد ويدنو الأديب والطبيب علاء الأسواني من خلال مجموعته (نيران صديقة) بعذوبة آسرة من الذين سقطوا في براثن هاوية غربة الفقر، القهر، الظلم وتابعهم الفادح، بؤس العجز الإنساني المفضي إلي الأسي.. قصص علاء القصيرة تمور بالشجن وهو الحزن في أعذب أحواله، شجن غير محتمل، هو يحول حيوات البسطاء ضحايا العجز الوجودي، الاجتماعي، السياسي والنفسي المؤطر والزيف الديني إلي إبداع نفيس، نقوش مرهفة علي وجنات البنفسج التي تقطر حزنا غميقا لتتحول كتاباته إلي جسر مضيء يصل بين الشرق والغرب، فكان الاحتفاء به غـربا غير مسبوق فإبداعه يضوي بألق الصدق، الجسارة تعرية القبح والتشوهات التي نالت من صفاء الشخصية المصرية، ومنذ إشراقات القرن 21 سعي علاء الأسواني إلي تلبية نداءات، رغبات واحتياجات القارئ المطمورة منذ أزمنة فكان بمثابة القرين لأبطاله وقرائه فكان البعث للرواية الاجتماعية شبه المندثرة، وكانت انتعاشة مبهجة للمشهد الإبداعي باعثة أمل صار قصيا. فكان أن منح القاص للقارئ فرصة التحليق في آفاق النوتسالجيا أو الحنين لما كان وما لم يكن، أيضا شفي غليل القارئ المكبوت، المتفرج علي الفساد المزمن والمعربد، فتحققت عملية الفصد المنشودة.وهكذا أشعل د.علاء الأسواني الحرائق الأدبية فهو مصاب (بالبيرومانيا) أي شغف إشعال النيران ولكن هي حرائق إيجابية تضفي حيوية دافقة، تحض علي الاستيقاظ، الصحوة الوجدانية والفكرية وتجتاحني الدهشة عندما يتعرض للهجوم والنقد غير الموضوعي بأنه علي سبيل المثال فتح الباب علي مصراعيه لهذا الشلال الهادر من الأعمال منزوعة القيمة فحرية الاختيار مكفولة ويكفي أن هناك إحياء لعملية القراءة، أو نقد جسارته في تعرية عورات المجتمع الذي انقلبت قيمه وصار الأدني هو من يتربع علي القمة وأقصد هنا الأدني أخلاقيا وفكريا وليس بطبيعة الحال طبقيا أو ماديا، ثم الانحراف والشذوذ الجنسي فهو موجود ولكن المصريين الجدد لديهم ولع بطقوس النعام!

في نيران علاء المكان هو المدينة والمكان يحاكي الزمان، يبث السقوط، فالكل أسير ومعزول في أغوار دنياه الذاتية الناضحة بالإخفاق والفشل في تحقيق أبسط الأشياء ولا أستطيع أن أقول أحلاما فتلك رفاهية وعالم مسحور لايطمح إليه الأبطال الضد في قصص علاء، ففي قصته البديعة، الجديدة (إنا أغشيناهم) يرصد مأساة الشخصية التي تعجز عن الاحتفاظ بماء الوجه من خلال أبسط وأيسر مظاهر الحياة، فالوظيفة، الحاجة سريالية وعبث المرتبات تحض الموظف علي ارتداء الملابس الرثة، المهترئة التي أنهكها الزمن فنحن هنا نغوص في العجز الذي يحاكي اللامعقول فتلك الاحتياجات الأولية، الضرورية هي تقع في خضم المستحيل ويجب اللجوء للجمعية والحرمان لمدة عام من ضروريات الحياة من أجل شراء 3 قمصان تهب الكرامة والاعتداد بالذات واستعادة ماء الوجه ويلجأ الموظف المقهور، المحاصر بالحاجة والفاقة والغلب الأزلي إلي الاستعانة بالآية الكريمة »وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لايبصرون« صدق الله العظيم لكي لايراه رجال الجمارك فيمر بالقميص فهو يلجأ إلي تكرار وترديد فأغشيناهم فهم لا يبصرون مرات ومرات وهذا من الممكن أن ينطبق علي وقوع الإنسان في كرب عظيم، محنة فادحة، خطر محدق، حرب. مرض، جريمة شنعاء أما أن يصب

المزيد


“نيران صديقة”: شخصيات مغتربة عن محيطها

أبريل 5th, 2009 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات نقدية عن مجموعة قصص نيران صديقة

نقلا عن تقرير "العربية.نت" الأسبوعي للكتاب

"نيران صديقة": شخصيات مغتربة عن محيطها

 

المجموعة القصصية التي صدرت أخيراً للروائي المصري علاء الأسواني

 

 

دبي – حكم البابا

 

يستعرض تقرير "العربية نت" في مادته الرئيسية هذا الأسبوع المجموعة القصصية التي صدرت أخيراً للروائي المصري علاء الأسواني بعنوان "نيران صديقة"، والتي يجمع فيها رواية قصيرة ومجموعة قصص كتبها الأسواني ما قبل عام 1989، في وقت سابق لروايتيه الشهريتين "عمارة يعقوبيان" الصادرة عام 2002، والتي توجته كأحد أشهر نجوم الرواية العربية المعاصرة، وحولت إلى فيلم سينمائي لاقى شهرة واسعة ومسلسل تلفزيوني، و"شيكاجو" التي صدرت عام 2007 ولقيت ترحيباً نقدياً وشعبياً لا يقل عن سابقتها.

 

"نيران صديقة": محاولة لإعادة الاعتبار لبدايات الكتابة

 

في محاولة منه لاعادة الاعتبار لما كتبه قبل روايته الشهيرة "عمارة يعقوبيان" التي لاقت ترحيباً نقدياً وإقبالاً واسعاً من جمهور القراء واهتماماً درامياً سواء في السينما أو التلفزيون، يجمع الروائي المصري علاء الأسواني في مجموعته "نيران صديقة" مختارات من أعماله القصصية الأولى، التي عانى من صعوبة في نشرها خلال الفترة التي كتبها فيها، فصدرت في طبعة محدودة لايتجاوز عدد نسخها الثلاثمائة عن دار نشر خاصة، بعد رفض الجهات الوصية على النشر في الهيئة المصرية العامة للكتاب نشرها، إلاّ بعد قيام المؤلف بحذوفات كبيرة منها، وهذا الهاجس في إعادة الاعتبار لكتاباته الأولى الذي يبدو واضحاً في تقديم الأسواني الموجز لمجموعته القصصية "نيران صديقة"، إضافة إلى تهافت الناشرين الطبيعي عادةً على نشر أي كتاب، حتى وإن سبق لهم رفضه، لكاتب غدا مشهوراً، لايعني على الاطلاق أن القصص المنشورة في المجموعة تقتصر أهميتها على القيمة التاريخية في رصد مسيرة تطور كاتب، فالعديد من قصص المجموعة وفي مقدمتها الرواية القصيرة "أوراق عصام عبد العاطي" التي بدأ بها كتابه، واحتلت نصف صفحاته تقريباً، لديها من القيمة الأدبية، مايجعلها تنافس في الصفوف الأولى من الكتابة الروائية والقصصية التي تنشر اليوم ل

المزيد


مقاله أحمد دحبور عن نيران صديقه

ديسمبر 20th, 2006 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات نقدية عن مجموعة قصص نيران صديقة

أحمد دحبور

قصص علاء الأسواني تنذر بوابل من "نيران صديقة"..

حين صدرت روايته "عمارة يعقوبيان"، منذ بضع سنوات في مصر، حققت من النجاح ما يتجاوز المفاجأة إلى الشائعة. فقد نوه بها نقاد مرموقون وصحفيون جادون في كل مكان. وتنافس نجوم السينما على تحويلها إلى فيلم يكون للمحظي واللامع منهم دور كبير فيه. أما الممثلات فإن اللواتي اعتذرن عن عدم قبول هذا الدور أو ذاك، إنما كن يعبرن عن الغيرة ممن أتيح لها الدور النسوي الأكبر. واتسعت سوق النميمة للتعليقات. فعلاء الأسواني ، مؤلف الرواية، طبيب أسنان وقد جاءته الرواية بضربة حظ. إنها بيضة ديك لن تتكرر. ومن قائل: إن أباه هو الصحفي الكاتب المخضرم عباس الأسواني. وفرخ الوز - نحن في بلاد الشام، نقول البط- عوام. أما هو، د.علاء الأسواني ، صاحب العلاقة ، فكان يتابع بهدوء وثقة كل طبعة جديدة لروايته الباهرة من غير أن يغير غلافها، مكتفياً بالإشارة إلى رقم الطبعة في الصفحة الأولى. ومرت النميمة على ذلك فقال حاسد إنه يخاف الحسد، ورد معجب: بل إنه تواضع الموهوب الحقيقي.. وجاءت أنباء ترجمة "عمارة يعقوبيان" إلى غير لغة حية.. فتحول التساؤل إلى قلق: ماذا سيكون جديد د. علاء الأسواني؟
حين وقعت عيناي على مجموعته القصصية "نيران صديقة" شعرت بسعادة الواثق من الفوز في الرهان. فليست الرواية بيضة ديك. وعندما لمحت ، على الغلاف، إشارة إلى أنها الطبعة الثانية، تساءلت: ومتى كانت الطبعة الأولى؟ وتذكرت المثل الشعبي :" إن طلع صيتك فـ تغطَ ونم".. ولكنني حين فتحت المجموعة وبدأت القراءة، أعدت النظر في هذا المثل. فهذا الموهوب لم ينم على حرير النجاح، ولم يكن يلهو في وقت ضائع.. بل كان يحفر في الأعماق، وهو - لا شك - في طليعة الكتاب المصريين الذين كشف ويكشف عنهم القرن الحادي والعشرون..
وكأنه كان يجيب عن سؤال يتصل بالجنس الروائي. فمجموعته "نيران صديقة" هذه ، عبارة عن عشر قصص، إلا أن الأولى منها تقع في مئة صفحة أو تزيد قليلاً، فضلاً عن أنها مركبة من عناصر مختلفة، حتى ليمكن اعتبارها رواية قصيرة. ويدعم هذا الاعتبار أن مناخ هذه القصة - وعنوانها : الذي اقترب ورأى - قريب من مناخات عمارة يعقوبيان. إلا أن هذا لا يعني التكرار بأي حال. فهذا الكاتب يتمتع بلواقط اجتماعية وسيكولوجية تعفيه من المراوحة على أرض واحدة..
ولكن ما حكاية هذا العنوان "نيران صديقة"؟..
إن معظم كتاب القصة القصيرة يعمدون إلى اختيار القصة التي عليها العين، لتكون عنواناً للمجموعة. ولكن لا شيء من ذلك في حالة د. علاء الأسواني الذي لم يكتب قصة بعنوان "نيران صديقة".. ولو درنا بالذاكرة في المكان والزمان القريبين، لرأينا أن هذا الاصطلاح العسكري "نيران صديقة" أصبح يتردد بشكل ملحوظ، منذ العدوان الأمريكي الذي انتهى باحتلال العراق وبروز المقاومة الشعبية هناك. فكان الناطق العسكري يحاول التهوين من عدد خسائر جيشه الأمريكي بالقول إن هذا القتيل سقط بنيران صديقة.. أي أنه خطأ فني، أو في أفضل الحالات إنه حادث مؤسف ليست وراءه نية سيئة.. فهل استعار د. علاء الأسواني هذا الاصطلاح في إشارة إلى أن نقده المر للمجتمع المصري لا يمكن أن يكون محمولاً على نية سيئة؟ وأن نيران النقد التي يمطر بها مختلف الطبقات المتوسطة هي مجرد نيران صديقة؟.. لمزيد من حسن النية المتبادل ، أقبل ، بوصفي قارئاً محباً لمصر ، هذا التفسير ، وأراهن على أن هذه النيران لا يمكن أن تؤذي . بل هي تخطيطات وتحذيرات تنويرية بهدف الصحوة واستقبال النهار.
عنقود قصص
تقوم القصة الأولى "الذي اقترب ورأى" على أساس مركب قادر على حمل عدد من الأبنية ، فهي ، كما أشرت، رواية قصيرة، أو أنها أشبه بعنقود قصص يتدلى من دالية واحدة. فهناك عصام، المتأمل، الشكاك، ذو التفكير المادي، الرسام بالوراثة، ذلك أن أباه رسام حقيقي لكنه غير لامع، وهو يداري إخفاقه بالسهر اليومي في بيته مع زملاء له لا يقلون عنه إخفاقاً واغتراباً. وحين تأتيه رسالة من معجب فإن ابنه عصاماً يمزق الرسالة. ولا يثور الأب الحزين بل يعتذر هو لابنه بعد أن ينفضَ الساهرون. كأنما هو المخطئ لا الابن. وكان خطأ الأب هو عدم النجاح .. أما عصام الذي لا يتغير عليه شيء حتى بعد وفاة أبيه، فهو يعاشر الشغالة هدى بمعرفة أمه التي لا تملك إلا أن تضطهد حماتها المقعدة، فيما تتشفى بها الحماة عندما يتساقط شعر رأسها بسبب العلاج الكيميائي إثر إصابتها بالسرطان.. يرى عصام كل هذا ولا يعلق عليه. فهو ليس مأزوماً من عدم النجاح كما كان والده. ولكنه يكتفي بالمشاهدة والاكتفاء بالانطباع الذاتي. وفي العمل ينتبه إلى المدير الشهواني الانتهازي الذي يعتدي على الشغالات الفقيرات، فإذا تمردت عليه إحداهن دهمها بتهمة سرقة مئة جنيه!! ومع ذلك فالمدير يصوم في رمضان ويندد بعصام الذي لا يصوم ولا يكترث له، بل يذهب إلى أحد معارض الرسم فيعرف فتاة ألمانية سرعان ما يدعوها إلى كاس في فندق سميراميس ثم تصحبه إلى بيتها محذرة من شراسة البواب المحافظ. إلا أن عصاماً يدخل غير مكترث بالبواب ويقضي ليلته في بيت الألمانية التي تدله في اليوم التالي إلى مكان عملها.. وفي وقت لاحق يحاول عصام أن يزورها ليفاجأ بأنها لا تعمل هناك. يستغرب ويتوجه إلى بيتها فيتحرش بالبواب ويتحداه لكن هذا يجمع الناس عليه، ليفاجأ بأن الألمانية لا تسكن هناك.. فهل كانت ليلته السابقة مجرد وهم؟ وهل كانت عشيقة الأمس مجرد سراب؟ إنه لا يعطينا جواباً ولكننا نفهم من سياق الأحداث المتقطعة المتناثرة أنه أصيب بالجنون، وأن أمه باتت تزوره في مصح عقلي، فيما يظل ويكابر مؤكداً أن الألمانية حقيقة من لحم ودم، وأنه يعرف بيتها ومكان عملها ..
ليست هلوسات عصام وتخيلاته مجرد أعراض من الجنون. بل هي تراكم الخيبات الموروثة. لقد كان أبوه يهرب إلى الخمر والحشيش، ويرى في عدم اكتشاف موهبته ضعفاً وفساداً في الذوق الفني. أما هو فكان يرد على خيبة أبيه، وفساد مديره، وضيق أفق أمه وجدته، بأوهام التعالي على كل ما يرى. حتى أنه يفتتح قصته - أو روايته الطويلة- بسخرية جريئة من مقولة الزعيم الوطني المصري:" لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً".. وينهال على مصر نقداً مبرحاً إلى درجة الاستفزاز . وهو ما سيكرره على مسامع الفتاة الألمانية التي توهم أنه عرفها وعاشرها فما كان منها إلا أن انبرت تدافع بحرارة عن مصر. وعندما ندرك أن الألمانية نفسها ليست إلا وهماً فإن علينا إعادة النظر في هجومه على مصر وفي دفاعها عن مصر. إنه يوهم نفسه بالتعالي والتجاوز إلا أن الأنا الأعلى عنده لا يمكن إلا أن يكون وفياً لبلاده فيبرز له من خياله فتاة أجنبية تعترف لمصر بما تستحق.. لكننا عندما نكتشف ، في النهاية، أن ذلك كله لم يكن إلا وهماً فسوف ندير دفة التأمل في القصة لنفسر الهلوسات المنتظمة بأنها جناية الخيبة على الخائب الذي لم يحتمل دور المثقف المحايد ولم يتمكن من تقمص شخصية المثقف العضوي. فأقام عالماً موازياً من الأوهام، وكانت النتيجة أننا ندرك مصيره في المصح العقلي..
هذه الأوهام التراجيدية ستظهر من جديد في مجموعة علاء الأسواني هذه، من خلال قصة "جمعية منتظري الزعيم" التي يظهر فيها سياسيون وفديون منسيون، وقد طوتهم الحياة بعد ثورة عبد الناصر. ولم يجدوا أنفسهم بعد وفاته حتى وهم يلتقون بعلنية مسموحة في تكريم ذكرى زعيم الوفد مصطفى النحاس. ويتخيل أحدهم أن مصطفى النحاس قد خرج من إطار صورته المعلقة في بيته. ودعاه إلى مسيرة في اليوم التالي أمام بيت الأمة. وحين راح هذا العالم يبلغ ما توهمه إلى أقرانه ونظرائه في حزب الوفد، استهجنوا ذلك.. لكنهم بعد كل شيء أتوا على الموعد. ولم يظهر مصطفى النحاس طبعاً. لكنهم يعيشون دنيا غير هذه الدنيا. ولعلهم لا يزالون ينتظرون النحاس حتى كتابة هذه السطور.. هل من حاجة إلى تعليق؟
كانوا أطفالاً..!
تستوقفنا في هذه المجموعة ثلاث قصص يستلهمها الكاتب من عمر الطفولة. ويجمع بينها أنها مسرودة بصيغة ضمير المتكلم. وأن أحداثها وقعت أيام الدراسة الابتدائية أو أول الإعدادية، بمعنى أن أبطال هذه القصص ليسوا أطفالاً بل كانوا أطفالاً. وبالعودة التقليدية إلى مقولة أن الطفل هو والد الرجل الذي سيكونه، نرى أن علاء الأسواني إنما يقص عينا عملياً مقدمات بزوغ وعي أناس راشدين يعيشون بيننا الآن. وإذا كانت إحدى هذه القصص تحتمل تأويلاً رمزياً، فإن هذا التأويل ، كما سنرى، لا يتعارض مع أن القصة جرت في الزمن الماضي مع أحد الأطفال. وإذا كان هذا الطفل لا يزال على قيد الحياة- ولا يوجد سبب لافتراض غير ذلك- فإنه الآن رجل يتحمل مسؤولية ردود أفعاله على مستجدات الحياة.
الأولى من هذه القصص الثلاث، تحمل اسم بطلها "عزت أمين اسكندر". وهو تلميذ ابتدائي يمشي على ساق اصطناعية. وقد جاء زميله ، راوي القصة ، بدراجة هوائية ذات يوم وراح يجري بها في باحة المدرسة. فطلب منه عزت أمين اسكندر أن يعيره الدراجة ، وسرعان ما امتطاها متحاملاً على إعاقته. بل إنه راح يتفنن في السيطرة عليها من غير استخدام يديه، حتى سقط فجأة على الأرض. وطارت ساقه الاصطناعية ونزف الجرح القديم في مكان الحادث الذي سبق له أن أودى بساقه. إلا أن الولد المكابر يتحامل على ألمه ويتجاهل سقطته متسائلاً:" شفتني وأنا راكب العجلة؟".. إنه وهم المكابرة الذي وقعنا عليه في القصتين السابقتين، عندما تخيل عصام أنه قضى ليلة ساخنة مع سائحة ألمانية. وتخيل وفدي مخضرم أن النحاس باشا قد واعده عند بيت الأمة. أما هنا، فعزت اسكندر، يجمع الإرادة إلى الوهم. فمن جهة هو قادر على امتطاء الدراجة متغلباً على ساقه الاصطناعية، ومن جهة ثانية هو يريد الذهاب بالتحدي إلى أبعد ما تتطلبه الإرادة. وحين يسقط فإنه يحاول إخفاء الألم والخيبة مفسحاً المجال لفكرة واحدة، هي أنه قادر على ركوب الدراجة.. وأتساءل ،بشيء من الحرج والحذر، عما إذا كان تأويل الرمز يحتمل الى جانب من الوضع الإثني في مصر. فالولد المعاق ينتمي إلى فئة تشكل عنصراً عضوياً من عنصرين يشكلان المجتمع المصري. وهل هناك فرصة لتجاهل التعقيد الإثني الذي يبدو كالإعاقة ، لمواصلة المواطنة الطبيعية. أم أن هناك عطباً يجري التحامل عليه حتى لو هدد بسقطة مؤلمة؟
أما قصة "حصة الألعاب" فلا تشذ عما سبقها في تجاهل الوضع القائم غير الطبيعي. إذ أن التلميذ، هذه المرة، بدين إلى درجة تعيقه عن ارتداء ملابس الرياضة. وكانت المعلمة متسامحة معه، تعفيه من اللعب ، مكتفية بدور رمزي له يقوم من خلاله بما يشبه مهمة الحكم. أما المعلم الجديد فيفرض عليه الزي الرياضي الذي يكشف مشكلة بدانته كبروز الثديين واندلاق الكرش واتضاح العجيزة. ويبالغ التلاميذ في إيذاء زميلهم والسخرية منه. ويكابر، ويحاول أن يبدو سعيداً ببدانته، بل إنه يشاركهم المزاح حتى لا يكون موضوعاً لسخرية ذلك المزاح. لكنهم يواصلون الضحك وتوجيه الصفعات والكلمات النابية، حتى يتشنج وينفجر بالبكاء.. إن بكاء التلميذ فجأة ، هو انفجار الفضيحة وكشف المسكوت عنه. فلا أوهام تداري الألم والخيبة هذه المرة. وإذا هرب الواهمون في القصص السابقة إلى ما يشبه التعويض بأحلام اليقظة، فإن قلة حيلة التلميذ في حصة الألعاب تدفعه إلى الانفجار والبكاء.. ترى ما هي حاله الآن وقد أصبح رجلاً؟
وتبقى ، في إطار هذه الرزمة من المجموعة ، قصة "نظرة إلى وجه ناجي".. وناجي هو الطفل الوسيم ، ابن الأسرة الغنية، الذي يدخل الفصل الدراسي فيثير إعجاب زملائه التلاميذ وحسدهم. وكان لهم معلم قاس يضربهم بلا رحمة. وذات يوم نسي ناجي واجبه المدرسي فحاول المعلم أن يضربه، وفاجأه ناجي بالتمرد ورفض مبدأ الضرب. مع أن وداعته لا توحي بهذه المفاجأة. ويعجز المعلم عن تنفيذ العقاب. بل بات محرجاً من أن يضرب أي تلميذ آخر. وحتى يداري المعلم انكساره أمام ناجي فإنه يعينه عريفاً على الفصل ليكتب أسماء التلاميذ المشاغبين حتى ينالوا العقوبة القصوى. وكان راوي القصة أول ضحاياه. لقد تحول ناجي المتمرد إلى جزء من نظام المدرسة. ولن ننسى المعطى الموضوعي في هذا. فهو ابن أسرة غنية وقد تصرف بموجب القوة المعنوية التي تعطيه إياها أسرته. أما التلاميذ الفقراء فهم منقادون إلى الوضع العام الذي تشكل المدرسة فيه صورة عن المجتمع. ألم ينكسر عصام، في القصة الأولى،

المزيد


د/ محمد حبشى يكتب عن نيران علاء الأسوانى الصديقه

ديسمبر 20th, 2006 كتبها علاء الأسوانى نشر في , مقالات نقدية عن مجموعة قصص نيران صديقة

بعد عمارة يعقوبيان.. علاء الأسواني يواصل الاشتباك
نيران صديقة: هل هي الاسم الأدبي.. للانكسار والهزيمة

د.محمد الحبشي

صدرت المجموعة الجديدة للمبدع علاء الأسواني، وعلى غير المعتاد بعنوان ليس له نظير داخل العمل. ويبدو أن الأديب أراد أن يلفت نظر القارئ إلى أن اللحمة الأساسية في المجموعة، هو هذا الحريق المكتوم المنتشر الذي يلتهم منظومة القيم الحضارية النبيلة التي كنا نتحصن خلفها لتصد عنا الانكسار والتدهور.
والأديب تكاد أنامله تحترق وهو يسجل ملحمة الهبوط المؤسف والانحدار الذليل. ليحيل القارئ إلى قطعة من اللهب الحزين، وقد صدمه وروعه انفراط القيم وتشظي المبادئ وتبدد المستقبل.
وهو لا ينتصر للعدم ولا يشيع اليأس القاتل، بل يترفق بنا على صعيد الشكل بعبارات عذبة تقطر منها اللغة البديعة وتنساب خيوطاً شفافة رطبة وكأنه يقاوم اللهب اللافح. وتتجنب اللغة العبارات الحادة المدببة. ولا تصدر أحكام "قيمة" أو تصدمنا بمعايير أخلاقية. بل نلتقي بعلاء الأسواني بشحمه ودمه. والذي سبق أن توحدنا مع همومه في تحفته الكبرى "عمارة يعقوبيان". نجده متعاطفاً مع شخصياته برذائلها وضعفها البشري وانحطاطها أحياناً. منتقلاً بخفة ورشاقة في داخل عالمها المعتم دون تربص وبغير أحكام مسبقة. باحثاً عن المضيء عسى أن يبدد صخب العتمة وحريقها المندلع بشراسة.

قنوط.. بائس

وقصة "الذي اقترب ورأى" أولى الشرارات المنبعث منها اللهب، فهي تتتبع برفق ودأب مراحل تطور أو تدهور شخصية عدمية (أحكام القيمة والأخلاق من عندنا) اختار لها اسم عصام وهو طالب بكلية العلوم يدرس الكيمياء. ووالده فنان تشكيلي مغمور. وتتخلق منذ السطور الأولى لدى بطلنا روح عدائية ذات ميل وجودي. رغبة شديدة في الانعزال والوحدة وكراهية أشد للآخر. فالآخر هو الجحيم بعينه.
ولقد استفاض المؤلف في ترديد عباراته الوحشية العارية تجاه الآخرين عبر صفحات طويلة. ويمكن أن نطل باختصار على هذا التعصب الأعمى شرط الحفاظ على حياد عقلنا ووجداننا. فالشعب المصري خال من الفضائل ويتصف بالجبن والنفاق والخبث واللؤم والكسل والحقد. والفلاح المصري يحمل نفسية الخادم الذليل. وبطلنا يكره مصر والمصريين من كل قلبه ويتمنى لها المزيد من التردي والبؤس.
أما والده فلقد خلق باهتاً عادياً لا يميزه شيء وكان منصاعاً لوالدته. ويصرح الأديب أن بطلنا العدمي قد تخلى عن الماركسية الزائفة برغم جانبها العقلي الذي يدعو للاحترام!!! لأنه لا يجد مبرراً لأن يضحي من أجل مخلوقات سوقية كالعمال والفلاحين، إنهم حيوانات لا يستحقون إلا الازدراء.
أما زملاؤه بمصلحة الكيمياء فإنهم مجموعة من الصراصير القذرة مشهدهم يذكره بالديدان والحشرات المتنوعة داخل بالوعة. ورئيسه بالمصلحة رجل شره أكول. النظرة إليه تخلق انطباعاً حيوانياً. مغرم بالنساء على نحو فاضح. يتحرش بالعاملات. ولكنه حريص في شهر رمضان أن يبدو مؤمناً ورعاً والمسبحة الطويلة الخضراء لا تفارقه.
أما أمه فيعتبر حرصها على الحياة برغم إصابتها بالسرطان شيئاً دنيئاً. هذا بجانب أن السرد يصورها تصويراً بشعاً عندما تتمنى في لحظة غضب موت طفل هدى الخادمة حتى تتفرغ لخدمتها. كان الحشيش بدايته في جلسات والده وأصحابه،ونهايته في طريقه للع

المزيد