3- قصة قصيرة / علاء الأسوانى إنا أغشيناهم
(( من منا لا يعرف الأستاذ جوده .. ؟ لاشك أن معظمنا يعرفه .. فالذى لم يزامل الأستاذ جوده فى العمل أو الدراسة لا شك قد صادفه فى زحام الأتوبيس أو هو بالتأكيد شاهده وهو يتأبط كيسا" كبيرا" من النايلون , ويفض مشاجرة نشبت فى طابور الجمعية .. أو لعله استمع إلى المحاضرة الكروية التى تعود الأستاذ أن يلقيها فى المقهى مساء الجمعة من كل أسبوع .
على الأقل .. لابد أن يكون أحدنا قد شهد الأستاذ جوده فى رحلته الصباحية عندما يصطحب أطفاله الثلاثة يوصل كل طفل إلى مدرسته .. ثم يهرع هو إلى وزارة التخطيط حيث يعمل موظفا" بإدارة المتابعة ..
على أية حال .. أنا أكتب فقط للذين يعرفون الأستاذ جودة ., إذ أن الذين لم يعرفوه تظل أفهامهم دون المعانى )) .
لم يخجل قط من حذائه .. كان مصنوعا" من القماش لكنه كان يزعم دائما" أن هذا النوع من الأحذية يريح قدميه , بل كان الأستاذ جوده أحيانا" يتعجب على الملأ كيف يتحمل الناس أحذيتهم الجلدية فى هذا القيظ ..
وبفضل جهود بثينة زوجتة كانت بنطلوناته تبدو دائما" أقرب للأناقة .
المشكلة كانت فى القمصان .. كان الأستاذ جوده يملك ثلاثة قمصان يبدلها على مدار الأسبوع , وكان القميص الأبيض مهترئا" .. ولو كان مقطوعا" لقدر الأستاذ أن يستغنى عنه , لكنه كان مهترئا" والاهتراء هو تلك الخشونة التى تصيب القماش البالى , الخيوط الصغيرة التى تبرز وتتدلى من منظومة النسيج وفى بعض الأيام الرمادية المنقبضة كان الأستاذ جوده يضطر لارتداء قميصه الأبيض , وكان الخميس الماضى أحد هذه الأيام ..
وفى ذلك الصباح تغير سلوك الأستاذ جودة تماما" .
قد يبدو هذا مبالغا" فيه ولكن للذين يجهلون تأثير قميص مهترىء على سلوك المرء أقول إن الأستاذ جوده عندما حيا زمرئه فى ذلك الصباح كان صوته خافتا" , وعندما طلب قهوته الصباحية كان مهذبا" فوق العادة فقال (( لو سمحت يا برعى قهوة مظبوط )) بدلا" من صيحته اليومية (( قهوة وظبوط يا برعى )) .
وأقول إن الأستاذ قد قضى معظم النهار وراء مكتبه وتشاغل كثيرا" بقراءة ملفات لا أهمية لها , ثم إنه كان يرد باقتضاب على دردشة زملائه وكان يجد نفسه أميل لموافقة محدثيه على آرائهم .. حتى كرة القدم – حديث الأستاذ المفضل _ لم يثر اهتمامه فى ذلك الصباح .
كان الأستاذ يحس بنفسه ضئيلا" ومن فرط حرجه كان لا يجد مكانا" ليديه , فتارة يضعها على المكتب وتارة يلقى بهم جانبا" وأخيرا" .. عقد الأستاذ يديه على صدره وظل هكذا إلى النهاية . ولا يدرى أحد لماذا استسلم الأستاذ لرغبة عارمة جعلته يفحص ملابس زملائه بعناية , وعندما كان يلمح مظهر أحدهم الرث كان الأستاذ يستشعر راحة خفية أثمة .
كان يوما" ثقيلا" بحق وكان من الممكن .. أقول كان من الممكن أن ينقضى النهار بغير أن يحدث مايزيد الأستاذ هما" وألما" , ولكن يبدو أن قانونا" شريرا" يحكم هذا العالم ففى حوالى الساعة الواحدة دخل إدارة المتابعة شاب أنيق وسيم لا يتعدى عمره الثلاثيب , وتوجه الشاب رأسا إلى مكتب الأستاذ جوده , كان يحمل أوراقا" يريد أن يختمها – وختم الأوراق وهو تقريبا" عمل الأستاذ جودة الرئيسى – وكما يفعل دائما" أخرج الأستاذ الختم من الدرج
واستعد لختم الأوراق .. وقد فكر الأستاذ جوده كثيرا" – بعد ذلك – فيما فعله الشاب وخرج بالتحليل الآتى : إن هذا الشاب ينتمى لنوع من الرجال يحملون طابعا" أنثويا" مبهما" , طابعا" لزجا" لا نلحظه للوهلة الأولى لكنه لا يلبث أن يبرز فجأة عندما يسأل الواحد منهم عن أسعار القماش أو يفاخر بمهارته فى الطهى وشراء الفواكه , أو يقضى وقتا" أطول من اللازم فى تلميع نظارته مثلا" . المهم .. فرغ الأستاذ جوده من ختم الأوراق بسرعة لكن الشاب كان لطيفا" ودودا" – كعادة الرجال من ذلك النوع – وتدفق حديث عذب بين الشاب والأستاذ استغرق بضع دقائق وهم الشاب بالانصراف فاستبقاه الأستاذ جوده بحرارة , وجلس الشاب وقد اكتست ملامحه بغلاف حميم صادق وأعطى الأستاذ سيجارة مستوردة فقبلها الأخير ممتنا وأضاف التدخين لذته إلى الجو فتسرب أحساس دافىء إلى قلب الأستاذ جوده ولم يعد يشعر بقميصه , وأبعد يده عن صدره ووجد لهما مكانا" بجوار المقعد , ثم إمعانا" فى إظهار الود .. قام الأستاذ وتظاهر بالبحث عن الساعى ليطلب شيئا" (( لسعادة البك )) ..
وفجأة .. إنتابت الشاب حالة من حالاته الأنثوية فصاح (( لحظة واحدة يا جوده بك )) قام الشاب من مقعده واقترب برأسه من الأستاذ وأخذ يحدق فى قماش القميص ثم – بدون أن يتكلم – مد يده , بأصابع نحيلة مدربة قطع خيطا" من خيوط القميص الأبيض , ثم نظر إلى الأستاذ جوده , وابتسم إبتسامة بريئة ..
لم يقصد الشاب شيئا" . كان من عادته أن يمد يده إلى ملابس الناس يربط زرا مفكوكا" أو يقطع خيطا" زائدا" , كان يحب أن تكون الأشياء فى صورتها اللائقة . لم يكن يطيق بحال أن يترك ياقة معوجة أو يسمح بكرافتة مشوهة التكوين .. بل كان أحيانا" عندما يلمح ورقة شجر صغيرة ملتصقة بشعر محدثه – أيا" كان من يحدثه – كان على الفور يمد ذراعه ويجذب الرجل من رأسه , ويظل يفتش بأصابعه فى رأس الرجل حتى يلتقط الورقة المذنبة ويلقى بها بعيدا" وعندئذ فقط .. كان يتنهد فى راحة ويسأل محدثه فى لطف جم : (( حضرتك كنت بتقول إيه ؟ )) .
كان الشاب من ذلك النوع . لم يكن يتوقع أن خيطا" تافها" مقطوعا" من الممكن أن يحزن أحدا" . والحق أن الأستاذ جوده لم يبد تأثرا" يذكر أمام الشاب , ولكن الذى حدث بعد ذلك …
أن الأستاذ عندما إنتظر الأتوبيس طويلا" , عند رفع صحيفته اليومية ليحجب الشمس عن رأسه الأصلع , عندما تمكن – بخبرته – من أن يقفز ويحشر جسده البدين فى العربة المكتظة .. كان شعور ثقيل يجثم على صدره , وشيئا" فشيئا" سالت هموم الأستاذ وتدفقت , ثم انهالت بشراسة , هو فى الخامسة والأربعين موظف بإدارة المتابعة بوزارة التخطيط , عمله الأساسى أن يطبع الختم على الأوراق , أوراق كثيرة علمته السنون أنها بلا فائدة أو خطورة .
وكثيرا" مايلقى الأستاذ زملاء دراسته فى سيارة فارهة أو يقرأ عنهم أخبارا" فى الصحف وعندما يلقى الناجحين المتألقين .. كان دائما" يتمنى فى داخله أن يعامله أحدهم بصلف ووقاحة , أن يسخر منه أحدهم أو يهزأ من فقره وفشله , أن يعطيه أحدهم مبررا" معقولا" ليعلن حقده عليهم . ولكن ذلك لم يحدث قط . بلطف وأدب جم كانوا يعاملونه . يتبسطون معه فى الحديث , يضحكون كثيرا" لدعاباته , ينصتون إليه باهتمام .. تماما" كالسلطان الطيب الذى يوقف موكبه العظيم , ويهرع مشفقا" إلى طفل يبكى أو أرملة فقيرة .
وهكذا أذعن الأستاذ لهمومه تماما" ولابد أن أؤكد أن قصة كشك السجاير كانت قصة طريفة , وأن الأستاذ تعود أن يحكيها فى المقهى ليضحك أصدقاءه , وأنهم كانوا جميعا" يحبون هذه القصة وكثيرا" ماطلبون منه أن يعيدها عليهم , وكان حينئذ يحس بنشوة حقيقية فيأخذ نفسا" طويلا" من السيجارة , ثم يقصها من جديد وأكسبته الإعادة مرانا فكان يركز ببراعة على مواطن الفكاهة , فيشتد طرب أصدقائه وتصخب ضحكاتهم , وكان الأستاذ دائما" يضحك معهم
ولكن هذه المرة , تذكر الأستاذ قصة كشك السجاير فل
المزيد