لماذا يا سيد ؟؟؟ سؤال !!

أغسطس 10th, 2007 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

6- قصة قصيرة بقلم / علاء الأسوانى

 

    لماذا يا سيد ؟؟؟  ( سؤال )

 

لماذا ياسيد يا عبد التواب ؟! لا هى أول مرة ولا كان ماحدث مفاجأة لك .. ثم أن الشاب مهذب ولطيف وأنت الذى سعيت إليه .. لما رأيته يهبط من " الباص " أمام المتحف والكاميرا على كتفه , أعجبك هدوءه , لم يكن يسعى للفت الأنظار كالآخرين .. أنت الذى اقتربت ياسيد وبادرته بتحية وقلت أنك شاب مصرى تود معرفته .. عندئذ ومضت عيناه الزرقاوتان دهشة ثم انفرجت شفتاه بابتسامة مرحبة لم تخل من ريبة بددتها أنت سريعا" بحديثك الحار الطلق ..

ألم تكن ياسيد سعيدا" معه فى المطعم ؟! .. تدفق بينكما حوار شجى طويل ودعاك هو إلى كأسين بعد العشاء , كصديق قديم فتح لك قلبه وعرفت أنه عامل فى مستشفى " بوسطن " وأخبرته أنت عن دبلوم التجارة ولما حسبت له مرتبك بالدولار لم يصدق فى البداية وعندما تأكد ضحك طويلا حتى أنك لم تملك نفسك وضحكت معه ..

إذا كان السبب ما قاله عامل الأسانسير فى الفندق فهو _ فى النهاية _ مجرد خادم , وهل يهمك ياسيد مايظنه بك الخدم ؟! ومع ذلك فماذا حدث فى الحجرة ؟! حكى لك الشاب عن تعلقه بأمه وأطلعك على صورتها ولما قلت له أنها تشبه خالتك أكد ضاحكا أنكما قريبان ..

المزيد


لحظة الكسر .

أغسطس 5th, 2007 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

لحظة الكسر

5- قصه قصيرة بقلم / علاء الأسوانى

                        (1)  

صاح بائع الجرائد وتغيرت الإشارة وانطلقت سيارة سوداء مسرعة وكادت أن تدهم سيدة بدينة محجبة , واشتبك زوج السيدة مع سائق السيارة فى مشاجرة عنيفة … , وكأنه يرى كل ذلك من وراء زجاج سميك بارد , وجوه المارة وضجيج السيارات وألوان النيون على واجهات المحال , كل شىء حوله كان يختلط فى خلفية مشوهة وبعيدة .. كل شىء كان خارجا" عنه . توقف ذهنه فى لحظة واحدة . لم يتجاوزها . لحظة باهتة راكدة تتخلللها غيوم وتهاويم , تماما" كتلك اللحظة التى يمر بها ذهنه قبل أن يغشاه النعاس , فى ذلك الجزء الصغير المتناهى فى الصغر من الزمن الذى يفصل بين اليقظة والغيبوبة .. وعندما انتبه كان يعبر (( ميدان سليمان )) وكانت الساعة قد جاوزت الثامنة وكان أصحاب المحلات يغلقون الأبواب بصفائح حديدية مستطيلة كلها مطلية باللون الرمادى . لفح وجهه هواء بارد وفكر فى مكان يذهب إليه , تذكر بارا" صغيرا" فى عماد الدين كان يشرب فيه أيام الجامعة , هناك لن يلقى أحدا" يعرفه , استدار ومشى خطوات فى اتجاه البار لكن هاجسا" سخر فى ذهنه بأنه يبدو الآن كممثل ردىء فى فيلم لحسن الإمام , أبطأ السير وتردد قليلا" ولكنه عاد وأكد لنفسه , إنه فعلا" يحتاج إلى كأسين وبعض التفكير .

                   (2)

الوقت مبكر والمكان خال إلا من بضعة رواد التفوا حول موائد متفرقة وهو دلف بهدوء إلى أقصى القاعة بغير أن ينظر لأحد حتى لايضطر لإلقاء السلام , والإضاءة ضعيفة وغطاء المنضدة مهترىء وقذر والمكان يفوح برائحة رطبة تضايقه والنادل نوبى عجوز أسنانه مهشمة ويبتسم بأدب والبراندى الدوبل والترمس والبيبسى تكسر حدة الكحول والكأس الأولى والثانية والثالثة وسرت إليه الدهشة , تملكته . دهشة حقيقية لكنها ليست عابرة كتلك التى تصيبه كل يوم . بل شعور ثقيل بعدم الفهم عرفه من قبل لما رأى الموت أول مرة . يومها كان أبوه ممددا" على السرير تغطيه إلى الصدر ملاءة بيضاء وكان فمه مغلقا" , وعيناه مغمضتين وبدا وجهه عاديا" كأنه نائم , الفرق الوحيد بينه وبين النائم كان بعض الإربداد , الإربداد الخفيف للغاية على الوجه الذى لا يمكن أن يلحظ لأول وهلة وقد لا يلحظ مطلقا" , هذا الإربداد كان هو الموت , وشعر يومئذ كما يشعر الآن , أحس بأنه لايفهم وأنه حزين , وأنه هزم فجأة وبغير مبرر , وأن هزيمته ثقيلة وقاسية ونهائية وأن البقايا فى لحظة الكسر تصدر صوتا" عاليا" ثم تتناثر مرة واحدة أخيرة وتنتهى .

                 (3)

فى الصباح البارد كان ينتظرها , يقف بجوار محطة البنزين ويدخل يديه فى جيوب المعطف ليشعر بالدفء , و

المزيد


كلاب بوكسر .. كل الألوان .

يوليو 29th, 2007 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

4- قصة قصيرة بقلم / علاء الأسوانى

 

كلاب بوكسر                         كل الألوان

 

"فواز حسنين" .. هكذا سوف يهمس إليك وهو يقدم نفسه ,  وعندما تراه لابد أن تحبه , لأن فواز حسنين رجل لطيف .. وهو أيضا"  "عايق " يشهد بذلك شعره المدهون بالفازلين و" الكاريه " الذى يعمله فى رأسه على طريقة " أنور وجدى " وكذلك الحزام الجلدى العريض الذى يلتف حول كرشه الضخم وتتوسطه " توكة " نحاسية مكتوب عليها " حب love  بالإنجليزية " وأخيرا" الأحذية اللميع ذات البوز المدبب والكعب " كوباية " التى يؤثرها فواز بشكل خاص .. كل هذه موضات انتهت من عشرين عاما" – أيام كان فواز شابا"- لكنه مازال حريصا" عليها , وهو أحيانا" يستشعر فى نفسه مدى أناقته فتراه وهو يكلمك يتأمل توكة حزامه أو بوز جزمته بإعجاب وإرتياح , وفواز حسنين أيضا" مؤدب , مؤدب لدرجة تخجلك .. يكاذ يذوب من الأدب .. ما أن يراك حتى يهرول إليك مصافحا" , ينحنى أمامك بشدة وييقوس ظهره وكأن الود وده لو ينكمش جسده الضخم ويتضاءل احتراما" لوجود سيادتك ..وهو إذا تحدث إليك همس وسّبل عينيه وكور شفتيه الغليظتين ورققهما وكأنهما منقار عصفور صغير برىء .. لماذا لا تحب فواز إذن ؟ مع كل هذا الأدب وهذه الوداعة ,

الإجابة يعرفها " سكان حارة السكر والليمون " حيث تعود فواز أن يجلس فى مقهى على أول الحارة هؤلاء رأوا فواز وهو يتشاجر بالمطاوى والكراسى , حينئذ يمط شفتيه فى تحفز ويحدج غريمه بنظرة نارية ثم يستهل المعركة بسيل هادر من الشتائم التى تدور عادة حول الحياة الخاصة بوالدة الغريم ..  هؤلاء لن ينسوا يوم أن تشاجر فواز مع الصول عبد الغنى عقب دور كوتشينة لعباه على فلوس .. يومئذ جمع فواز عيال الحارة ووقف معهم تحت بيت عبد الغنى عند شريط القطار .. وجعل ينشد بصوته الجهورى المشروخ والعيال يرددون وراءه فى مرح : " ياتخينة يا فشلة يا مارة العسكرى .. تاكلى بسلة وت … جمبرى " …

هذا هو فواز حسنين اذى يعرفه الناس فى الحارة .. لكنهم لا يعرفون كل شىء فلا أحد يعرف ماذا يعمل فواز ؟ أحيانا" يكون معه فلوس وفى معظم الأحيان يكون مفلسا" .. وفى ذلك الصباح كان فواز جالسا" فى المقهى كعادته يشرب الشاى بالحليب ويدخن البورى .. عندما مر أمامه صبى يحمل كلبا" صغيرا" على كتفه .. كان الصبى حافيا" ويرتدى جلبابا" قديما" ممزقا" .. أما الكلب فكان شعره أسود ناعم وشكله جميل وقد علقت حول رقبته شريطة حمراء بفيونكة …

- ولد .. تعال هنا ..

هكذا صاح فواز وقد برق فى ذهنه خاطر .. واقترب الولد وهو ينظر إلى فواز بخوف ..

_ من أين جبت الكلب ده ؟

سأله فواز بصوت رهيب ..

- من المعادى

- لا .. انت سارقه .. أنا حأوديك فى ستين داهية ..

هكذا صاح فواز ثم هوى بكفه على وجه الولد بلطمة عنيفة جعلته يلقى بالكلب ويطلق ساقيه للريح ..

أمسك فواز بالكلب وحمله بين يديه ( كان شكله غريبا" , بطنه متدل وأرجله قصيرة ووجهه مسحوب ) ثم أحضر له عظما" صغيرا" من عند الحاتى ليأكل وجلس يدخن البورى ويفكر

" ماذا يفعل بهذا الكلب ؟ " .

إنه كلب من المعادى ولاشك أن ثمنه غال وهو قد سمع مرة أن الكلاب من النوع البوكسر يصل ثمنها إلى مائة جنيه .. بعد تفكير وتأمل توصل فواز إلى الحل .. وبعد يومين ظهر فى الأهرام إعلان يقول " كلاب بوكسر للبيع جميع الألوان موجودة " ثم رقم التليفون فى المقهى ..

منذ الصباح جلس فواز بجوار تليفون المقهى يرد على مكالمات الزبائن ويصف لهم عنوانه فى حارة السكر والليمون .. وقبيل الظهر ظهر أول " مشترى " .. دخلت الحارة سيارة مرسيدس كبيرة سوداء ونزل منها رجل أشيب مهيب فى نحو الستين يرتدى معطفا" من الجوخ الأسود .. كان وجهه أحمر كالانجليز حتى أن فواز ظنّ لأول وهلة أنه خواجة .. هرع إليه فواز وتلقاه بأدبه الجم وقدم له مقعدا وأمر له بشاى بحليب وطبعا لم يعزم عليه بالبورى ..

ثم التفت إليه وقال وهو يبتسم ويسبّل عينيه ويكور شفتيه ..

- تحت أمر سيادتك

المزيد


إنا أغشيناهم

يوليو 22nd, 2007 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

3- قصة قصيرة / علاء الأسوانى          إنا أغشيناهم

 

(( من منا لا يعرف الأستاذ جوده .. ؟ لاشك أن معظمنا يعرفه .. فالذى لم يزامل الأستاذ جوده فى العمل أو الدراسة لا شك قد صادفه فى زحام الأتوبيس أو هو بالتأكيد شاهده وهو يتأبط كيسا" كبيرا" من النايلون , ويفض مشاجرة نشبت فى طابور الجمعية .. أو لعله استمع إلى المحاضرة الكروية التى تعود الأستاذ أن يلقيها فى المقهى مساء الجمعة من كل أسبوع .

على الأقل .. لابد أن يكون أحدنا قد شهد الأستاذ جوده فى رحلته الصباحية عندما يصطحب أطفاله الثلاثة يوصل كل طفل إلى مدرسته .. ثم يهرع هو إلى وزارة التخطيط حيث يعمل موظفا" بإدارة المتابعة ..

على أية حال .. أنا أكتب فقط للذين يعرفون الأستاذ جودة ., إذ أن الذين لم يعرفوه تظل أفهامهم دون المعانى )) .

لم يخجل قط من حذائه .. كان مصنوعا" من القماش لكنه كان يزعم دائما" أن هذا النوع من الأحذية يريح قدميه , بل كان الأستاذ جوده أحيانا" يتعجب على الملأ كيف يتحمل الناس أحذيتهم الجلدية فى هذا القيظ ..

وبفضل جهود بثينة زوجتة كانت بنطلوناته تبدو دائما" أقرب للأناقة .

المشكلة كانت فى القمصان .. كان الأستاذ جوده يملك ثلاثة قمصان يبدلها على مدار الأسبوع , وكان القميص الأبيض مهترئا" .. ولو كان مقطوعا" لقدر الأستاذ أن يستغنى عنه , لكنه كان مهترئا" والاهتراء هو تلك الخشونة التى تصيب القماش البالى , الخيوط الصغيرة التى تبرز وتتدلى من منظومة النسيج وفى بعض الأيام الرمادية المنقبضة كان الأستاذ جوده يضطر لارتداء قميصه الأبيض , وكان الخميس الماضى أحد هذه الأيام ..

وفى ذلك الصباح تغير سلوك الأستاذ جودة تماما" .

قد يبدو هذا مبالغا" فيه ولكن للذين يجهلون تأثير قميص مهترىء على سلوك المرء أقول إن الأستاذ جوده عندما حيا زمرئه فى ذلك الصباح كان صوته خافتا" , وعندما طلب قهوته الصباحية كان مهذبا" فوق العادة فقال (( لو سمحت يا برعى قهوة مظبوط )) بدلا" من صيحته اليومية (( قهوة وظبوط يا برعى )) .

وأقول إن الأستاذ قد قضى معظم النهار وراء مكتبه وتشاغل كثيرا" بقراءة ملفات لا أهمية لها , ثم إنه كان يرد باقتضاب على دردشة زملائه وكان يجد نفسه أميل لموافقة محدثيه على آرائهم .. حتى كرة القدم – حديث الأستاذ المفضل _ لم يثر اهتمامه فى ذلك الصباح .

كان الأستاذ يحس بنفسه ضئيلا" ومن فرط حرجه كان لا يجد مكانا" ليديه , فتارة يضعها على المكتب وتارة يلقى بهم جانبا" وأخيرا" .. عقد الأستاذ يديه على صدره وظل هكذا إلى النهاية . ولا يدرى أحد لماذا استسلم الأستاذ لرغبة عارمة جعلته يفحص ملابس زملائه بعناية , وعندما كان يلمح مظهر أحدهم الرث كان الأستاذ يستشعر راحة خفية أثمة .

كان يوما" ثقيلا" بحق وكان من الممكن .. أقول كان من الممكن أن ينقضى النهار بغير أن يحدث مايزيد الأستاذ هما" وألما" , ولكن يبدو أن قانونا" شريرا" يحكم هذا العالم ففى حوالى الساعة الواحدة دخل إدارة المتابعة شاب أنيق وسيم لا يتعدى عمره الثلاثيب , وتوجه الشاب رأسا إلى مكتب الأستاذ جوده , كان يحمل أوراقا" يريد أن يختمها – وختم الأوراق وهو تقريبا" عمل الأستاذ جودة الرئيسى – وكما يفعل دائما" أخرج الأستاذ الختم من الدرج

واستعد لختم الأوراق .. وقد فكر الأستاذ جوده كثيرا" – بعد ذلك – فيما فعله الشاب وخرج بالتحليل الآتى : إن هذا الشاب ينتمى لنوع من الرجال يحملون طابعا" أنثويا" مبهما" , طابعا" لزجا" لا نلحظه للوهلة الأولى لكنه لا يلبث أن يبرز فجأة عندما يسأل الواحد منهم عن أسعار القماش أو يفاخر بمهارته فى الطهى وشراء الفواكه , أو يقضى وقتا" أطول من اللازم فى تلميع نظارته مثلا" . المهم .. فرغ الأستاذ جوده من ختم الأوراق بسرعة لكن الشاب كان لطيفا" ودودا" – كعادة الرجال من ذلك النوع – وتدفق حديث عذب بين الشاب والأستاذ استغرق بضع دقائق وهم الشاب بالانصراف فاستبقاه الأستاذ جوده بحرارة , وجلس الشاب وقد اكتست ملامحه بغلاف حميم صادق وأعطى الأستاذ سيجارة مستوردة فقبلها الأخير ممتنا وأضاف التدخين لذته إلى الجو فتسرب أحساس دافىء إلى قلب الأستاذ جوده ولم يعد يشعر بقميصه , وأبعد يده عن صدره ووجد لهما مكانا" بجوار المقعد , ثم إمعانا" فى إظهار الود .. قام الأستاذ وتظاهر بالبحث عن الساعى ليطلب شيئا" (( لسعادة البك )) ..

وفجأة .. إنتابت الشاب حالة من حالاته الأنثوية فصاح (( لحظة واحدة يا جوده بك )) قام الشاب من مقعده واقترب برأسه من الأستاذ وأخذ يحدق فى قماش القميص ثم – بدون أن يتكلم – مد يده , بأصابع نحيلة مدربة قطع خيطا" من خيوط القميص الأبيض , ثم نظر إلى الأستاذ جوده , وابتسم إبتسامة بريئة ..

لم يقصد الشاب شيئا" . كان من عادته أن يمد يده إلى ملابس الناس يربط زرا مفكوكا" أو يقطع خيطا" زائدا" , كان يحب أن تكون الأشياء فى صورتها اللائقة . لم يكن يطيق بحال أن يترك ياقة معوجة أو يسمح بكرافتة مشوهة التكوين .. بل كان أحيانا" عندما يلمح ورقة شجر صغيرة ملتصقة بشعر محدثه – أيا" كان من يحدثه – كان على الفور يمد ذراعه ويجذب الرجل من رأسه , ويظل يفتش بأصابعه فى رأس الرجل حتى يلتقط الورقة المذنبة ويلقى بها بعيدا" وعندئذ فقط .. كان يتنهد فى راحة ويسأل محدثه فى لطف جم : (( حضرتك كنت بتقول إيه ؟ )) .

كان الشاب من ذلك النوع . لم يكن يتوقع أن خيطا" تافها" مقطوعا" من الممكن أن يحزن أحدا" . والحق أن الأستاذ جوده لم يبد تأثرا" يذكر أمام الشاب , ولكن الذى حدث بعد ذلك …

أن الأستاذ عندما إنتظر الأتوبيس طويلا" , عند رفع صحيفته اليومية ليحجب الشمس عن رأسه الأصلع , عندما تمكن – بخبرته – من أن يقفز ويحشر جسده البدين فى العربة المكتظة .. كان شعور ثقيل يجثم على صدره , وشيئا" فشيئا" سالت هموم الأستاذ وتدفقت , ثم انهالت بشراسة , هو فى الخامسة والأربعين موظف بإدارة المتابعة بوزارة التخطيط , عمله الأساسى أن يطبع الختم على الأوراق , أوراق كثيرة علمته السنون أنها بلا فائدة أو خطورة .

وكثيرا" مايلقى الأستاذ زملاء دراسته فى سيارة فارهة أو يقرأ عنهم أخبارا" فى الصحف وعندما يلقى الناجحين المتألقين .. كان دائما" يتمنى فى داخله أن يعامله أحدهم بصلف ووقاحة , أن يسخر منه أحدهم أو يهزأ من فقره وفشله , أن يعطيه أحدهم مبررا" معقولا" ليعلن حقده عليهم . ولكن ذلك لم يحدث قط . بلطف وأدب جم كانوا يعاملونه . يتبسطون معه فى الحديث , يضحكون كثيرا" لدعاباته , ينصتون إليه باهتمام .. تماما" كالسلطان الطيب الذى يوقف موكبه العظيم , ويهرع مشفقا" إلى طفل يبكى أو أرملة فقيرة .

وهكذا أذعن الأستاذ لهمومه تماما" ولابد أن أؤكد أن قصة كشك السجاير كانت قصة طريفة , وأن الأستاذ تعود أن يحكيها فى المقهى ليضحك أصدقاءه , وأنهم كانوا جميعا" يحبون هذه القصة وكثيرا" ماطلبون منه أن يعيدها عليهم , وكان حينئذ يحس بنشوة حقيقية فيأخذ نفسا" طويلا" من السيجارة , ثم يقصها من جديد وأكسبته الإعادة مرانا فكان يركز ببراعة على مواطن الفكاهة , فيشتد طرب أصدقائه وتصخب ضحكاتهم , وكان الأستاذ دائما" يضحك معهم

ولكن هذه المرة , تذكر الأستاذ قصة كشك السجاير فل

المزيد


لاتينى ويونانى .

يوليو 13th, 2007 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

 أعزاءنا زوارنا الكرام . لأن مقالة الكاتب الروائى علاء الأسوانى لجريدة العربى الناصرى هذا الإسبوع يوم الأحد فقمنا بتقديم موعد إدراج القصة القصيرة هذا الإسبوع لليوم الجمعة بدلا" من الإثنين .      

وعذرا" لهذا التغيير المؤقت ..

2_ قصة قصيرة بقلم / علاء الأسوانى

                      لاتينى ويونانى

 

" مطلوب مدرسة لغة فرنسية.. لطفل عمره سبع سنوات .. المرتب مائة وعشرون جنيها" شهريا".. المقابلة 6 شارع غالب مدينة المهندسين .. من 5 : 7 مساء " .

بعد نصف ساعة كادت أن تيأس , ظل سائقو التاكسى واحدا" بعد الآخر يعبرونها بنظرة لا تبالى , سادها شعور هو مزيج من الملل والقلق والإرهاق .

لماذا يرفضون الوقوف .. ربما بدا لهم ثوبها الأبيض متعاليا" بعض الشىء , ابتسمت ..

تذكرت مقالا" كانت قد قرأته عن ردود الفعل .. من جديد لوحت لتاكسى مقبل , هذه المرة راحت ترجوه بعينيها , للحظة بدا لها ذلك مضحكا" وإن لم يخل من تأثير فقد توقف السائق على الفور .. (( مدينة المهندسين – يا أسطى لو سمحت )) .

عندما تحركت السيارة كانت ساعة يدها تحذر من السادسة .

بعد دقائق كان السائق يعبر بها كوبرى الجامعة , نقلت جسدها النحيف حتى جاورت النافذة اليمنى للسيارة , كانت جموع الطلاب تعبر الكوبرى فى الاتجاه المضاد ..

لاشك عائدون من إحدى المحاضرات المسائية أو ربما امتدت بهم جلسة الكافتيريا كما كان يحدث كثيرا" !, أحست وكأنها تبتسم , انساب داخلها إحساس من الأسى الممتع وهى تسترجع أياما" ووجوها" .. فى يوم السبت 18 أكتوبر منذ خمس سنوات كانت رحلتها الأولى إلى الجامعة .. لا زالت تذكر كيف أيقظها بنفسه ذلك الصباح .. كان (( بابا )) قد أعد كل شىء .. (( أحب أشياءك الصغيرة الفنانة )) .. كانت تقول له .

يومئذ لأول مرة مذ كانت طفلة .. أراد أن يصفف لها شعرها , كانت نبراته تتعثر خجلا" وهو يطلب إليها , ضحكت وأسلمت له رأسها …. وتظل تذكر كيف أسرف حينئذ فى تزيين الخصلات حتى اضطرت لإعادة التصفيف , بينما كان هو يتمتم معتذرا" .. (( مع السلامة يا أستاذة )) .. قال لها مودعا" .. واستدارت هى لتنهى لحظة منفعلة .

لم يكن الأب جامعيا" , كان الفقر قد ألحقه بعمل مبكر , وطويلا" .. طويلا" .. حلم بيوم حصولها على الليسانس , فلا عجب أن مات قبله بشهور .

لفحتها برودة من الخارج .. مدت يدها وأحكمت قفل الزجاج .. ألقت برأسها وراء" فحف الفستان حفيفا" ذكرها بصاحبته ..جارة لها تعتنق الخير والنميمة .. شرعت تحلل مشاعرها فى تلك اللحظة , ماذا تعنى لها الوظيفة ؟ (( 120 جنيها" شهريا" )) جاء رد السؤال حارا" واشتركت فى الإجابة عليه مجموعة من الملابس الداخلية المهترئة .. الجوارب المثقوبة .. وعدد لا ينتهى من أنصاف النعال .. كما كان رد السؤال يمزج دعاء الأم الفجرى الصادق ..

بنحيب مقهور استسلمت له أختها الصغرى عقب لقائها الأول برجال الأتوبيسات العامة .

لا يعنى لها المال سوى إشباع حاجتهما .. وكانت وحدها رسولتهما إليه , أما هى ..

فكان داخلها لا يأبه للأوراق النقدية .

قالت صديقة لها يوما" فى أسف صادق (( أفسدتك القراءة )) .. ضحكت يومئذ من غرابة الرأى وإن كانت أحيانا" لا تراه بالغ الحمق .. لم يفسدها الأدب وإنما أفسد عليها مذاق الأشياء .. هى متعة أكيدة أن تصبو كسائر البنات إلى فيللا وسيارة فخمة يقودها زوج فارع الجسم .. ولاشك أن سرعة المفرمة ا


المزيد


أمر إدارى

يوليو 8th, 2007 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

1- قصة قصيرة / علاء الأسوانى

                          أمر إدارى

 

إسمه بالكامل عم إبراهيم .. وبرغم الفقر والوجه الشاحب يتدلى كرش مفاجىء من بين البالطو المهترىء ..

وبينما يعتبر الكرش فى الأوساط الراقية مرضا" علاجه الرجيم والرياضة .. يرى فيه التجار دليلا" ملموسا" على نعمة يرجى دوامها أما الفقراء فتظل كروشهم أوراما" يحملونها بلا سبب واضح .

وبالنسبة لعم إبراهيم فقد أفسد عليه الكرش الوقح كسوة كاملة أعطاها له أطباء المستشفى فى العام الماضى .

وتقول السجلات إن العامل محمد إبراهيم وظيفته..( عامل نظافه ) بمرتب عشرين جنيها وثلاثة قروش لا غير .. ولأن عم إبراهيم رجل طيب و بشوش ولأنه كان نظيفا" _ والنظافة أهم شىء _  فقد اختاره الأطباء لصنع القهوة والشاى بدلا من عم صالح الذى أحيل للمعاش .

قد تصبح الحياة محتملة أحيانا".. فعندما يتفرغ عم إبراهيم لعمله الجديد ( القهوة ) و( الشاى )

يكسب ما يزيد عن ضعف مرتبه الأصلى .. يستطيع أن يدخن كما يريد .. أن يشترى لأولاده _ أكبرهم فى العاشرة _  جلاليب وأحذية .. أن يبتاع قطعة صغيرة من الحشيش ليضاجع زوجته طويلا" .. بل إستطاع عم إبراهيم _ حدث هذا مرتين _ أن يستقل تاكسيا" بالنفر إذا تأخر عن موعد العمل .

ويعد عم إبراهيم على أصابعه الغليظة (( خمسة أعوام من الستر )) والستر ألا يتسول الإنسان

(( نعمة نحمد الله عليها )) .. ومهما فعل فى ليلة الخميس _ سهرة زوجته المفضلة _ كان عم إبراهيم يحرص على صلاة الجمعة .. وتعود أن يذهب إلى الزاوية نظيف البدن والملبس طيب الرائحة .

وعندما تبدأ الخطبة .. كان عم إبراهيم يدخل رأسه بين يديه ويخشع ..

وذات يوم بعد خطبة حارة عن الزكاة أحس إبراهيم بقلق مذنب ثم قرر أمرا" فى نفسه ..

وتعود بعد ذلك أن يختار مريضا" معدما" من مرضى المستشفى ويصنع له القهوة بالمجان .

كان عم إبراهيم رجلا طيبا .

المزيد


سيدي المسئول عن تكييف القاعة

نوفمبر 11th, 2006 كتبها علاء الأسوانى نشر في , قصص قصيرة

7- قصة قصيرة بقلم علاء الأسوانى
سيدي المسئول عن تكييف القاعة

سيدى المسئول عن تكييف القاعة .. احترس الآن أبدأ الحكاية :

وحكايتى يا سيدى المسئول حكاية عربية جلفة لا تعرف آداب السلوك . كل السادة والسيدات الحاضرين فى القاعة سوف يصيبهم الغضب عندما أتكلم .. سوف يشتعل الغيظ فى قلوبهم ولذلك ، أرجوك ، يا سيدى المسئول عن تكييف القاعة أن تضغط من حين لآخر على مفتاح التبريد .

وأنت يا سيدى مهندس الصوت ..

عندما أبدأ الكلام ، حاول أن تصرف عنى انتباه السامعين ، أطلق عليهم يا سيدى مزيداً من الموسيقى الصاخبة .

أما أنت يا عزيزى البهلوان .. فعليك بإضحاك من يغضب منهم . انبطح على الأرض أو أمش على يديك . وإذا استدعى الأمر يا بهلوان ، أطلق من حنجرتك نهيقاً كالحمار .. المهم ، أن تعم الفرفشة ويتبدد الغضب .

سيداتى سادتى ..

أصل الحكاية هو سوء الحظ ، النحس اللعين الذى يُخرج إلى الدنيا طفلاً بريئاً بجسد أو وجه مشوه ، القدر الغاشم الذى يفجع الأب الطيب بموت ابنه الشاب ، الذى يزرع السرطان فى جسد الرجل الناجح .

قدر أسود كهذا ، هو الذى جعل «جنين» مدينة عربية .. ولو أن مدينة كجنين وجدت فى سويسرا ، لو أن حدائق البرتقال فيها كانت مغطاة بجليد أوروبا الناصع ، لو أن مساجدها الكثيرة كانت كنائس كاثوليكية ، لو أن أهل جنين خلقوا من جنس أبيض راق .. أستغفر الله العظيم ، لو لم تعرف جنين تلاوة القرآن وإقامة الصلاة لما حدث لها ما حدث .. لكن القدر الأعمى خلق جنين مدينة عربية ولم يكتف بهذا الهوان ، فجعلها أيضاً مدينة فلسطينية ، ثم - إمعاناً فى الذل- تخير لها القدر مكاناً على الضفة الغربية ، تماماً على خط الحدود مع الدولة اليهودية المكرمة . ويشهد الله تعالى القدير ، كما تشهد تقارير المخابرات أن أحداً فى جنين لم يكن من أهل الشغب .. مدينة صغيرة جنين وبيت كبير ، والناس ودعاء .

فلاحون طيبون يتقنون زراعة البرتقال ، ولا يعرفون غيرها . يحرصون على صلاة الجمعة ويعشقون العرقى .

ولم يحدث قط ، أن سُمع لأهل جنين صوت عال أو كلمة قبيحة .. حتى فى أيام الحمق عندما كانت الأفكار السوداء عن إسرائيل تسرى كالسموم فى شرايين المنطقة العربية ، عندما كان العرب يدمنون الحديث عن تحرير فلسطين والاشتراكية والقومية .. إلى آخر هذه السخافات .

حتى فى تلك الأيام ظلت جنين كما هى ، وظل أهل جنين - كما كانوا دائماً - منصرفين إلى البرتقال ، لا يعرفون سواه ، يزرعونه ويحصدونه .

والحق أن هذا السلوك الطيب قد أثر كثيراً فى قلوب المسئولين اليهود حتى أنهم فكروا أكثر من مرة فى مكافأة عظيمة يقدمونها إلى جيرانهم الودعاء .

وكاد هذا أن يحدث فعلاً .. لولا الوقائع المؤسفة ، المؤسفة للغاية ، التى شهدتها جنين فى فصل الربيع من عام 1967 .

سيدى المسئول عن تكييف القاعة .. درجة من التبريد ..

سأقول ما حدث دفعة واحدة .. فى شهر مايو 1967 قررت جنين أن تدخل الحرب . وتصوروا أنتم يا حضرات ، زارعو البرتقال يحملون السلاح ليحاربوا ، ويحاربوا من ؟ دولة إسرائيل .. لا شك هو القدر الساخر الذى يدفع المرء إلى حتفه باختياره .

.. انبطح يا بهلوان ..

يبدأ يونيو 67 والأزمة تشتد وتستحكم ، والحرب حديث دائر . وفى يوم مهيب كالشمس شامخ كالجبل ، جذب الجيش الأردنى نفساً عميقاً ، ثم طوح بذراعه القوية .. واقتحم «جنين» . وهكذا كانت الخطة ، لأن جنين فى المواجهة لابد أن يحتلها الأردنيون ليدافعوا عنها .. ولن تنسى «جنين» هذا اليوم أبداً «مرحباً بأبطال الأردن» اللافتات العريضة تتدلى فى زهو وتنتظر . ومجالس الرجال منعقدة فى الطرقات الضيقة ، جلس بعض منهم وعجز البعض الآخر عن الجلوس من فرط اللهفة ، فهم يصعدون إلى الربوة العالية ويرجعون بأنباء منفعلة ، «باقى نصف ساعة ويصل الأبطال» .. «لعلهم الآن على المشارف» أما النساء ، فقد انهمكن فى ذلك اليوم كما لم ينهمكن من قبل ، وكيف لا ؟ والأبطال قادمون من سفر صعب ، لابد وأن يجدوا شيئاً يأكلون وشيئاً يشربون وتمخض هذا الشىء فولد عشرات الشطائر والفطائر والطواجن وكافة فصائل الأطعمة ، وصفوفاً طويلة من زجاجات العرقى الرابضة فى أحزمة الخوص .

حتى الأطفال فى جنين ، كانوا يترقبون وصول الجيش الأردنى فى شغف عظيم وللأطفال أسبابهم الخاصة ، فهى المرة الأولى التى يشهدون فيها جيشاً حقيقياً لحماً ودماً وبنادق ، جيشاً تبدو بجواره جيوش مترو جولدن ماير ، كمجموعة من اللعب القديمة .. والرديئة أيضاً .

ما أجمل هذ الرقصة يا سيدى المهندس..

وصل الجيش الأردنى فى الساعة الواحدة . ظهراً وما أن ظهر الجندى الأول على مدخل جنين ، ما أن لمح الناس زيه العسكرى الأخضر وشارته النحاسية اللامعة حتى كانت الإشارة ، إشارة سحرية أطلقت المشاعر المنتظرة منذ الصباح - وفى هبة واحدة وآن واحد - اندلعت الزغاريد وانفجر الهتاف والأناشيد والصياح . أمطار صادقة من ورود التحية ألقيت على الرءوس .. جاء الأبطال ليدافعوا عن جنين ، وجنين كلها تحتضن الأبطال ، الكل يغنى ويلوح ولا يخجل أحد من إحساسه فاللحظة صادقة لا تعرف الوقار ، حتى المشايخ والوجهاء كانوا يهتفون ، كل فرد فى جنين كان حريصاً على أن تصل تحيته - هو بالذات - إلى المقاتلين ، وكأنها التحية الوحيدة ، والحق يقال .. .. كان الجيش الأردنى الأردنى جديراً بهذه الحرارة ، تشكيلات عسكرية مهيبة ، أسلحة سوداء غاضبة ، والرجال رجال .. أجساد ضخمة مفتولة ، وشوارب عربية يقف عليها الصقر مطمئناً ، كان المشهد كله ينطق بالقوة . ولما ظهرت أول دبابة صار الأمر فوق الاحتمال ، فاندفع الناس يتسلقون جدران الصلب ، وانفتحت رأس الدبابة وأطل المقاتل ضاحكاً يتلقى العناق والقبلات .

ولم تمض دقائق حتى تمزق الطابور العسكرى تماماً ، وانجرف الجنود مع الأهالى فى مظاهرة شعبية عارمة ، وتساب

المزيد