شيكاجو بعيوان انتصار بوراوي

كتبهاعلاء الأسوانى ، في 20 مارس 2008 الساعة: 17:18 م

شيكاغو ..علاء الأسوانى :بقلم :انتصار بوراوي ::

نقلا عن موقع الفضاء الثقافي

 

يعتمد الروائي "علاء الأسواني" في  رواية شيكاغو  لنفس الخط السردي والتقني لروايته   السابقة " عمارة يعقوبيان"  وان كانت رواية " عمارة يعقوبيان" أكثر عمقا وقوة في الطرح لمشكلات الفساد داخل المجتمع المصري.

المؤلف رسم  نفس الخط الروائي لبنائه المعماري الروائي الدقيق لروايته الثانية"شيكاغو"  حين جمع  عدة شخصيات  لطلبة مصريين من طلبة الطب جاؤ  لجامعة الينوى بأمريكا  لتحضير الدراسات العليا في الطب  وكشف الروائي  بأسلوبه الفني  لعالم الطلاب المصريين الدارسين بأمريكا  وكيفية تعايشهم مع  واقع حياة وأسلوب حضارة مختلف عما كان يعيشونه في  بلادهم وكيفية تأثرهم بالواقع الجديد من خلا ل شخصيات مجموعة من  طلبة الطب المصريين في جامعة "الينوى" بأمريكا:   شيماء ، طارق حبيب، ناجى عبد الصمد، احمد دنانه، وزوجته  مروة ، والأساتذة الجامعيين بالكلية من المصريين الذين استقرو في أمريكا  منذ عقود.

 ويدخل المؤلف في دهاليز كل شخصية  من شخصيات الرواية  ساردا تفاصيل حياتها منذ وصولها و أول وطأ  لأقدامها لمطار مدينة شيكاغو الأمريكية وبين كل فصل وأخر يقدم المؤلف نبذة تاريخية عن  مدينة شيكاغو التي عرفت في تاريخها بكثير من الإحداث المهمة بأمريكا مثل حركة " الحقوق المدنية "ومسيرات  الهيبز  في ستينات القرن الماضي  و حركة الزعيم الشهير" مارتن لوثر كينغ"  وانقسام  المدينة لقسمين الجزء الشمالي الذى  بضم أحياء راقية  للبيض ،  فى حين  يظم الجنوب  الجماعات العرقية الأخرى وينتشر فيه الفقر والبطالة والمخدرات وحوادث القتل والسرقة والاغتصاب  .

المؤلف يمسك بزمام حركة كل شخصيات الرواية  فهو المتحكم  والعارف بحدود كل شخصية وأين مكمن قوتها، ضعفها، مبرراتها، أسبابها ماضيها، ودوافعها  كل ذلك متصارع داخل  أعماق الشخصيات التي تنفتح عبرها أحداث الرواية العابقة بالحياة الحابسة للأنفاس  بإيقاعها السريع ونفسها التشويقى الذي  يحمل  نبض الحياة  ،فتتقافز شخصيات الرواية  وكأنها  تحدثك  لشدة قدرة المؤلف على عرضها  بطزاجتها وحيويتها، فتبدو  وكأنها مخلوقات تنبض بالحياة أمامك وهذا هو سر نجاح روايات علاء الأسواني    فهي مطعمة بالحياة نابضة بالأفكار  والرؤى ثرية بواقعيتها ، بينما   تبدو لغة الرواية بسيطة  لاتكلف  فيها  ومكثفة  بتركيزها على  سرد  تفاصيل شخصيات الرواية من حيث تشابك مصائرها  ونهاياتها الدراماتيكية مما  منح الرواية جمالها الفني ، الذي ربما كان هو السبب في نجاح الرواية كسابقتها " عمارة يعقوبيان" لأنها تسير على  نفس التيمة الفكرية  الراصدة   للفساد الأجتماعى والسياسي الذي ضرب بقوته جذور كثير من شخصيات الرواية التي بدت أما سلبية عاجزة  أو متملقة منافقة مستعدة   للتفريط  حتى في  شرف أهل بيتها   من اجل أرضاء رموز السلطة والتحصل على المزايا  والمركز  والمنصب  كما  تشكلت بصورة    مقززة  في شخصية احمد دنانه التى رسمها المؤلف بذكاء جعل القارىء ينفر منها  ،  وحتى شخصيات الرواية التي كانت   ببداية الرواية  ناصعة قوية  لم تستطع المقاومة وهوت مثل شخصية بطلة الرواية شيماء وزميلها طارق حسيب .

الروائي علاء الأسونى في روايته الثانية " شيكاغو"، يمضى بنفس النسق الفكري من حيث تعريته للواقع المأزوم الذي وصلت إليه الأمور بالشخصية العربية التي تعانى من السلبية في التعاطي مع الحياة نتيجة للخوف والقمع والجبن والفساد السياسي الذي ألقى بظلاله  على الجانب الأجتماعى بحيث بدت أحداث الرواية وكأنها تجرى داخل البلد الأصلي للطلبة القادمين منه  للدراسة على حساب حكومتهم  ، فهم جميعا خاضعين للمراقبة   من حكومتهم، حتى   وهم في أخر بقعة من العالم  ، وذالك عبر شخصية ضابط الاستخبارات صفوت شاكر  "الضابط في مباحث أمن الدولة  الموفد من الحكومة لمراقبة الطلبة وإعداد تقارير عنهم.

 تتجمع في الرواية مجموعة شخصيات  مصرية وأمريكية كل منها لوحة إنسانية وفكرية مختلفة عن الأخرى  حيث يعتمد الكاتب في حبكته على الوصف النفسي لعمق شخصيات الرواية والوصف الداخلي لمراياها المتكسرة والمحطمة كما  يحدث لشخصية الدكتور محمد صلاح  الذي فقد التواصل مع زوجته الأمريكية بعد ثلاثين عاما من العيش بأمريكا ويبحث في صندوق الماضي عن صورة الحبيبة المصرية المفقودة وحلم الماضي في وطنه الأم ،  ويبدو التصدع أكثر وضوحا في   شخصية  الدكتور رأفت  ثابت  وزوجته الأمريكية  ميتشيل  وابنته سارة  فالدكتور رأفت ثابت المصري الأصول  هو رافض لعروبته ومصريته ويعيش بطريقة  الحياة الأمريكية  ويعامل الطلبة المصريين بطريقة سيئة   ولكن  حين  تنسلخ أبنته منه لتعيش مع صديقها في بيت مستقل لوحدها تستيقظ عروبته  ومصريته بداخله وتصطدم أبنته بأب أخر غير الذي عرفته طيلة حياتها  وهنا يرسم الروائي ببراعة  لصورة الصدام الذي يحصل بين الفتاة ووالدها والذي ينتهي بموت الفتاة بشكل مأساوي  ،  فيما تظهر شخصية الطبيب الأمريكي  جون جراهام لتبرق بشكل مختلف عن الشخصيات الأمريكية الأخرى بالرواية و الذي يتحدث عنه الراوي في مقطع من الرواية بالقول:" كان  واحد من الشباب  الغاضب المتمردين الذين اعلنو رفضهم  لكل شيء الكنيسة والدولة والزواج والعمل والنظام الرأسمالي  كان يردد أن حكام أمريكا يرسلون أبناء الفقراء إلى الموت في فيتنام حتى تتضاعف أرباحهم  بالملايين على حين يعيش أبناؤهم حياة مرفهة  بعيدا عن الخطر أن الحلم الأمريكي وهم" .

رواية علاء الأسوانى " شيكاغو" رواية عابقة بالحياة والأفكار والخطوط المتمازجة فى ألوان مختلفة ، غنية بإيقاعها التشويقى السريع الذ يمنح قارئها جمالية   عند قراءتها  لما تحمله من خلاصة تجارب حياة الآخرين فى وطن ليس وطنهم وهذه التيمة الروائية  ليست جديدة في  تاريخ كتابة الرواية العربية التي  كان من روادها الكاتب توفيق الحكيم  بروايته" عصفور من الشرق" مرورا  بروايات سهيل أدريس  والطيب صالح  وامين معلوف  واحمد ابراهيم الفقيه فى ثلاثيته المعروفة وغيرهم من الروائيين العرب  الذين  أبدعوا فى الكتابة عن  حياة العرب فى الدول الغربية و أمريكا والأصطدام  الفكرى والحضاري  الذى  ينشأ  بداخل الشخصيات الروائية نتيجة الأختلاف بين  الحضارات ، ولكن مايختلف فى رواية  علاء الأسواني هو  كشفه لجوانب أخرى من  معايشة العرب في أمريكا سواء كانوا  طلبة دارسين لسنوات محددة أو  للآخرين المهاجرين والمقيمين دائما في الوطن البديل لأوطانهم  كل ذالك في رواية  ممتعة وشيقة في أحداثها وقراءتها أيضا .

 

 

 

58

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات نقدية عن رواية شيكاجو | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “شيكاجو بعيوان انتصار بوراوي”

  1. ما زلت أصر على أنك رجل موهوب
    بالتوفيق أيها المصري العبقري
    و جائزة نوبل هي القدمه بإذن الله

  2. هل هناك جديد فى الطريق للدكتور علاء..

  3. اشكركم جدا وممتن لكل رأى

    وهذا عنوان ندوتى الاسبوعيه لمن يحب الحضور

    الخميس 8 مساء

    مقر حزب الكرامة

    2 شارع امين سامى متفرع من القصر العينى

  4. أستاذ علاء أنا سعيدة جداً برواية حضرتك الأخيرة لأنها أول رواية كبيرة أقرءها كاملة

    و طوال الأسبوع الذي قرئتها فيه إستطاعت الرواية إن تستحوذ على تفكيري كله و أتمني أن نري روايات جديدة لحضرتك تحمل نفس صفات عمارة يعقوبيان و شيكاغو

  5. لى الكاتب علاء الأسواني،
    لقد انتهيت للتو من قراءة روايتك شيكاجو، وهي بلا شك مشوقة جدا وبالنسبة لي جديدة ومميزة.
    أعجبني فيها نظرتك الواقعية والتحليل النفسي الدقيق لشخصيات مختلفة (كثيرة نوعا ما) تمثل مزيجا وعينة لأطياف المجتمع المختلفة، والحوارات التي صغتها وخصوصا تلك الداخلية والتي تبين طرق تفكير الناس وتبريرهم لأعمالهم ولنقيضها بنفس الوقت، أبدعت في هذا الجزء تماما ولم أقرأ رواية تحتوي مثل هذا الزخم من التحليل لشخصيات ومشكلات إجتماعية عديدة بل ويقف على أسبابها ويحللها بدقة في ثنايا الرواية.

    وإن كانت مجريات الأحداث في الرواية في مدينة شيكاجو بعيدا عن القاهرة ومصر، إلا أنك أبدعت في عرض وقائع الحياة اليومية للشعب المصري، وكأنك تجري مسحا احصائيا، و قداخترت عينة ممثلة للشعب المصري، فكانت النتيجة رواية شيكاجو.

    بشكل عام أعجبتني الرواية جدا، إلا أنني أود أن أشاركك بعض الجوانب التي لم تعجبني من الرواية ولعل ذلك يكون ذا أهمية بالنسبة لك:

    لم يعجبي في شيكاجو:

    1) كما ألمحت سابقا، كثرة تعدد الشخصيات في الرواية!

    مما لا شك فيه أنه نفس العامل الذي جعل الرواية متميزة، بحيث أنك جعلت منها أكثر من رواية في رواية واحدة. ولكن أعتقد أنها في “شيكاجو” كانت أكثر من اللازم، إذ أنها في كثير من الأحيان أدت إلى تشويش القارئ لمعرفة من هي الشخصية التي نتحدث عنها خصوصا عند التنقل المقصود من حدث لشخصية محددة إلى حدث آخر لشخصية أخرى.

    من ناحية أخرى، أدى كثرة الشخصيات في القصة إلى كثرة الأحداث المتعلقة بها بشكل تلقائي (وهو أمر طبيعي)، ولكن للأسف أن هذا التضخم في الأحداث (العقد) قد أدى إلى ركاكة في إغلاق أو إنهاء هذه الأحداث أو حتى عدم إغلاق بعضها.

    بكلمات أخرى، لم تعجبني نهاية الرواية، لأنني شعرت أنها “سلقت” سريعا وكأنها كتبت سريعا لإيجاد نهاية للرواية، في حين تم الاسهاب في عرض تفاصيل بعض الأحداث بالشكل الممل. ومن الجدير بالذكر والملاحظ في نهاية الرواية، أنه لم تكن هناك أي نهاية سعيدة لكل الشخصيات الرئيسة في الرواية (عدا دنانة :))، أي أن النهاية مؤسفة، وبلا شك أنه أمر مقصود ولكن أعتقد أنه مبالغ فيه.

    2) كثرة التركيز على تفاصيل غير هامة، والمبالغة في وصف أدق تفاصيل محيط بعض الأحداث، مع الشعور بسرعة واختصار واضحين في وصف أحداث هامة شكلت عقدة مثيرة للاهتمام في الرواية ولكن بنفس الوقت شعرت بسذاجة في الحل في طرحه ومضمونه، كنهاية قصة مروة زوجة دنانة.

    3) كثرة التركيز على اللقطات الجنسية والحميمية بشكل شعرت أنه مبالغ فيه لدرجة استطعت أن أتوقع ذلك في أكثر من جزء من الرواية، وبالرغم من إتقانك الشديد في الوصف إلا أنه كان في كثير من المواقف برأيي غير ضروري.

    بكلمات أخرى، لو تحولت الرواية لفيلم سينمائي، لكان الفيلم المفضل “لطارق حسيب”:)

    4) وجود بعض التناقضات في بعض الأحداث بل في الشخصيات، وبعض التحولات المفاجئة وغير المنطقية في بعض الأحيان. كالتحول المفاجئ في موقف كرم دوس، وبالرغم من التقديم له في الرواية على أنه ناشط قبطي في أمريكا ضد الاضطهاد الاسلامي للأقباط وكلنا نعرف طبيعة هذا النشاط في الحقيقة ونعلم أن التحول الذي حصل في شخصيته أبعد ما يكون عن الامكان.

    5) ظهرت الرواية تعليمية بعض الشيء كالمقدمة عن تاريخ شيكاجو في مكافحة الحرائق، وكالدليل العلمي عن جي سبوت:) بكلمات أخرى، ظهرت الرواية أحيانا كالواعظ أو المحاضر.

    أخيرا اسمح لي أن أشكرك مرة أخرى على الرواية الجميلة جدا والممتعة، وأتمنى ألا يكون تعليقي ثقيل الدم، وشكرا مرة أخرى.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر