الأدب ليس تابعاً لوزارة السياحة وأنا لا اكتب رواية حتى اقنع الأجانب بقضاء بعض الوقت في شرم الشيخ
حوار: كمال الرياحي /تونس
23 أكتوبر 2007
رواية هزّت المشهد الروائي العربي منذ سنوات ، ترجمت إلى الفرنسية والايطالية والعبرية و حوّلت إلى فيلم سينمائي و مسلسل تلفزيوني،وصل صداها إلى مجلس الشعب المصري الذي طالب أحد أعضائه بمنع عرض فيلمها الذي جسّد بطولته الممثل عادل إمام ،قيل فيها الكثير ،فهناك من اعتبرها رائعة روائية عربية و نقلة نوعية في السرد العربي ،بينما رأى بعض النقاد أن لا أدبية لهذه الرواية و نمثّل لهم بالناقد صبري حافظ . اتصلنا بصاحب الرواية: الروائي علاء الأسواني و طلبنا منه حوارا مطوّلا حول الرواية و كان هذا الحوار النهري السيري الذي يطوف بشخصية علاء الأسواني يتغلغل في عمقها و يرصد مواقفه من الأدب و الواقع و السياسة .
د.علاء الأسواني , طبيب أسنان وأديب مصري. أتم دراسته الثانوية في المدرسة الفرنسية في مصر. و لد في عائلة برجوازية , كان أبوه محامي و كاتب روائي أيضا.حصل علاء الاسواني على شهادة الماجستير في طب الأسنان من الولايات المتحدة الامريكية في ولاية شيكاغو في جامعة إلينوي. يكتب القصة القصيرة والرواية, و لد في 26 مايو 1957,عضو في حزب كفايةالمعارض في مصر.
[تحرير] من أعماله :
جمعية منتظري الزعيم
عمارة يعقوبيان - رواية.
نيران صديقة - قصص قصيرة.
شيكاغو (رواية), التي تدور حول ظاهرة الفساد في مصر والعنصرية التي تسود المجتمع الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر
كما يكتب مقالة شهريا بجريدة العربي الناصري .
الحوار :
- إذا ما تجسسنا على طفولة علاء الأسواني.. كيف كانت؟ بما كنت تلهو؟ كيف تم تشكيل وجدانك؟
- كانت طفولتي غير عادية حيث نشأت في بيت والدي الكاتب المعروف عباس الأسواني وكنت وحيداً بلا أشقاء فزاد ذلك من ارتباطي بوالدي ولم يكن المناخ في بيتنا تقليدياً وذلك بسبب ارتباط المكان بالثقافة والكتابة وكانت معايير ومقاييس والدي المرتبطة بالأحداث والمواقف ليبرالية للغاية وكان أصدقاء والذي الذين رأيتهم في طفولتي وعرفتهم على أنهم مجرد أصدقاء لأبي تبين فيما بعد عندما نضجت أنهم أعلام.. أسماء كبيرة.. عبد الرحمن الشرقاوي وإحسان عبد القدوس وزكريا الحجاوي ومحمود السعدني وسيد مكاوي وصلاح حافظ وحسن فؤاد واحمد طوغان وكل هذه العوامل ساعدتني خاصة وان والذي كان يحرص على حضوري لجلساتهم رغم كوني طفل لا يعي حجم هذه الأسماء ولا تلك المناقشات التي كانت تدور بينهم ولم يكن يغضب والدي عندما أتحامق وأدل بدلوي فيما يناقشون ولم يوبخني أيا من هؤلاء الكبار وأذكر مثلا واحد في حجم الفنان الكبير احمد طوغان عندما قلت له إنني مهتم باليوجا علماً بأني لم أكن افهم في ذلك الحين معني كلمة اليوجا غير انه جاء في اليوم التالي ومعه كتاب عن اليوجا وعليه اهداء ” إلى صديقي علاء الأسوانيِ”
أذكر يوم نكسة يونيو وهم في منزلنا وكان عمري تسع سنوات وقد رأيت هذا الحشد من كبار الشخصيات وهم يبكون على مصر ويناقشون مستقبلها بمرارة لا أنساها طالما حييت واذكر عندما أعلنت مصر بيان بعد الحرب بعدة أيام عن قصف إسرائيل لجنودنا وهم ينسحبون وقد تأثرت بكل هؤلاء العظام الذين لم يفرقوا في حياتهم بين الهم العام والهم الخاص… كانوا يبكون على ما حدث لوطنهم وكان الكارثة كارثة أبنائهم وبيوتهم وحياتهم الخاصة
هذا الجيل هو الذي قاوم الانجليز ولديه من الرصيد الوطني كنوز تم تكوينها قبل الثورة وشاركوا الثورة بأحلامهم وطموحاتهم وكان هذا المناخ الحيوي صاحب فضل في عشقي للقراءة لدرجة كانت أمي معهما تخشى على وعلى بصري منها.. كانت أمي تذهب لعملها وتعود فتجد الكتاب رفيقي فتناول الغداء و حتى المساء لا يفارقني كتابي وكثيراً ما كانت تعاتبني بسبب سهري مع الكتب وعندما التمس والدي هذا النهم بالكتب بدأ في توجيهي داخل عالم الكتب وعندما وصلت إلى الصف الأول الثانوي كنت أراسل إذاعة صوت العرب وتقرا لي تعليقات على الأحداث ومقالات وللفاضلين ميرفت رجب وعاطف كامل فضل كبير على في تلك الفترة حيث كانا يعاملاني معاملة الكبار ويذكر كل منهما هذه العباراة قبل قراءة مابعثته لهما “انه قدر ورد إلينا من الصديق علاء الأسواني كذا ..” كم كان لذلك أطيب الأثر على نفسي وكان والدي يراقبني ويراقب كتاباتي في ذلك الوقت ويوجهني ويشرح لي فنون الكتابة وما يجب التأكيد عليه وما يجب تجاهله واذكر أنني كتبت مقالا في ذلك الوقت عن الثانوية العامة قلت فيه إن الثانوية العامة يجب أن تكون سنه عادية بل اقل وعندما استمع والدي للمقال في صوت العرب قال لي لماذا قلت “بل أقل” وبدأ يوضح لي أن المبالغة في بعض الأحيان يتلاش معها المعني..
توفي والدي وعمري تسعة عشر عاماً بعد أن بنى داخلي بنية أساسية ثقافية وفكرية وأدبيه غير عادية أدركتها عندما اختلطت في القصر العيني بعد التحاقي بطب الأسنان بزملاء كتاب وأدباء.
- كيف أثرت مكتبة عباّس الأسواني الوالد في اتجاهات علاء الأسواني الأدبية؟
- : بداية الموهبة لا تورث، ولكن كل شيء في عباس الأسواني أثّر في، أنا نفسي من تأليف عباس الأسواني واذكر أنني عند عودتي من المدرسة وأنا طفل كانت أمي تنبه على التزام الصمت لأن أبي يكتب وكنت أرى أبي في حالة مغايرة لما اعرفه يحملق في سقف المكتب بين الحين والحين ويعود إلى العناق بين قلمه وأوراقه على خلفية من الموسيقى الهادئة وفنجان القهوة أمامه وسيجارته في يده… تلك الصورة جعلتني أحس بقدسية الكتابة وطقوسها وكل هذه الظروف التي تبدأ بشخصيته ولا تنتهي عند مكتبته كان لها أكبر الأثر في تكويني..
إن توفر المناخ الذي لمسته كان ذو حدين لأنه بعد وفاة والدي قد يظن الناس أن كوني ابنه ساعدني عن طريق أصدقائه وهذا لم يحدث وقد حدث العكس فعندما بدأت نشر قصصي وأنا في الجامعة كل المسئولين عن الصفحات الثقافية من أصدقاء والذي لم يأخذوني مأخذ الجد وتعاملوا معي على أنني ابن عباس الأسواني فإن نشروا لي مرة اعتبروها مجاملة وانتهت كما أنهم جميعا تعاملوا معي وأنا طفل وهكذا عانيت من هذا الأمر كثيرا وبذلت جهوداً جبارة لكي اثبت نفسي منفصلاً عن عباس الأسواني وإنني لم أعد ذلك الطفل الصغير ..
- لكن يبدو أن طقوس عباس الأسواني في الكتابة قد أثرت عليك لدرجة انك أنفقت الـ15 ألف جنية ثمن رواية عمارة يعقوبيان على السجائر والقهوة أثناء الكتابة؟
- للأسف الشديد رغم أن ذلك ضار بالصحة غير أنني أسير على درب أبي في هذه الطقوس وأنا لا استطيع الكتابة ألا بالسجائر والقهوة ولا اكتب ألا في الصباح الباكر… استيقظ في السادسة صباحاً وأنا خال الذهن وقد جربت الكتابة في أوقات كثيرة ولكني وصلت إلى قناعة وهي أن أفضل حالاتي الذهنية في الصباح الباكر اكتب في السادسة والنصف حتى العاشرة والنصف وبغير ذلك لا تستقيم الحياة ولا اقرأ إلا في المساء وأمارس الكتابة في عيادتي واعزل نفسي تماماً عن الكون .
- كيف انتقلت من مهنة الطب ومكافحة تسوس الأسنان إلى مكافحة تسوس المجتمع؟
- أنا أصلا كاتب وقد التحقت بكلية طب الأسنان وخططت في فترة من الفترات للتحويل منها إلى كلية الآداب واذكر أنني فاتحت والدي في هذا الأمر فلم يقاومني وكان سبب هذا التحول أن رغباتي الأدبية كانت عارمة إضافة إلى أن نظام الطب في مصر يسير على المنهج الإنجليزي وللإنجليز منهج أكثر قدرة من الأمريكان ويقضي المنهج الإنجليزي بدراسة التشريع في البداية فان كانت ميولك طبية تستمر وإن لم تكن لديك هذه الميول لا تستكمل المسيرة وكان لدينا تشريح الضفادع وقد أزهقت أرواح كميات هائلة من الضفادع غير أنني لم اشرح ضفدعة من دون تخدير وكان لدينا أيضا تشريح لدودة الإسكارس والصراصير وقد تعبت نفسيا من مسألة تشريح الصراصير وقررت التحويل إلى كلية الآداب..
ويضيف: كان والدي حكيما جداً عندما فاتحته في الموضوع فلم يناقشني واتصل بالدكتور رشاد رشدي عميد كلية الآداب وشرح له الأمر وطلب مني أن أتوجه إليه في اليوم التالي لإنهاء إجراءات النقل إلى كلية الآداب.. وكنت أتوقع أن يقاومني والذي وتدور حالة درامية بين الابن الراغب في الآداب والأب الرافض لرغبة الابن .. فكرت في الأمر كثيراً ولم أنم في تلك الليلة وعدت إلى والدي طالباً منه المشورة فقال الأدب ليس عمل وأنت تحتاج إلى عمل تنفق منه على الأدب فاقتنعت بوجهة نظره وأكملت دراستي وبعد تخرجي أدركت كلمة والدي رحمه الله ..
وتبدو علامات الجد على وجه د.علاء الأسواني وهو يقول: إن الطب ساعدني كثيراً في الأدب فالعلم يمنحك المنهج الذي تستطيع استخدامه في الأدب أضف إلى ذلك أن العلاقة بين الطب والأدب قديمة للغاية وقد درست علم انسجه وعلم الأنسجة مادة بديعة للغاية وتدرس على مستويات تكبير تصل إلى مائة ألف و تستطيع من خلال علم التشريح أن تري معجزة الخالق ونسبة الرؤية على حسب الزوايا فعندما ترى شخصاً عن قرب ومن مسافات متباينة تري صورا مختلفة وقد اثر ذلك في روايتي “الذي اقترب ورأى” وهي مبنية على فكرة قوة الإبصار وقد قال عني النقاد أن الوصف لدي محدد للغاية وقد تعلمت ذلك عن العلم فمثلا عندما تقول أن الورم شائع أو غير شائع أو ليس غير شائع هذه ثلاث درجات متباينة تماما أما الجزء الخاص بعلاقة الطب بالأدب فان الطب أكثر مهنة أخرجت أدباء واعتقد أن السبب في ذلك أن الطب والأدب موضوعهما واحد وهو الإنسان فعندما أتعامل مع الإنسان كطبيب ثم كأديب فالعمل واحد لم يخرج عن دائرة النفس الإنسانية التي يراها الطبيب والأديب في لحظات الألم والضعف والقوة والخوف وهو ما يختلف مثلا مع المحامي الذي قد يرى صورة واحدة من الإنسان فأنطوان تشيكوف مثلاً أهم كاتب قصة قصيرة في العالم كان طبيباً وظل يمارس الطب وعندما قالوا له لماذا لا تترك الطب؟ قال: الطب زوجتي والأدب حبيبتي وأنا رجل احتاج إلى زوجتي والى حبيبتي..
- لماذا تأخرت في نشر أعمالك وهل كنت ضحية الكتابة المهادنة أم كنت ضحية أرائك السياسية؟
- أنا لست ضحية والفكرة أن في مصر جو طارد للكفاءات والأدب ليس استثناًء ولا المجال الثقافي بوجه عام فان الدكتور احمد زويل لو ظل في كلية علوم الإسكندرية فماذا تظنون انه فاعل بها؟… الإجابة لا شيء ومثله في مصر مئات وآلاف ولكن النظام الطارد يفسد المناخ ففي الدول المتقدمة تجد الجميع يحاولون مساعدتك طالما كان لديك الموهبة والعكس في مصر تجد الكل لدية رغبة عارمة في هدمك وسحقك وتعطيلك وتفسح المكان امن هم معدومي الموهبة وأنا أتحدث عن المجال الثقافي الرسمي وقد كانت كل مشاكلي معه وأنا لدي سجل من الرفض والمشاكل مع الإصدارات الرسمية افخر به ولا اعتقد أن أي أديب آخر دخل في مشاكل مع الثقافة الرسمية مثلي منذ عام 90 وحتى عام 1998 عانيت من رفض أعمالي وآخرها مع مسؤولي إصدارات الدولة عام 1998 أصابته الغيرة رفض نشر مجموعة قصصية لي وكانت تلك آخر محاولة للتعاون مع الدولة وكأن عمارة يعقوبيان قد أنقذتني من سلطان الثقافة الرسمية وأنا اعلم أن آرائي السياسية لها دور فانا لست من المرضي عنهم واقع في فريق المستبعدين والآن وفي بعض المناسبات لا يستطيعون استبعادي وتتم دعوتي لأنه أصبح من الصعب عليهم تجاوزي بعد أن أصبح لي سمعتي بالداخل والخارج ولكن في واقع الأمر مازلت بالنسبة لهم من الخصوم السياسيين..
- كيف خرجت عمارة يعقوبيان إلى النور وكيف نجت من مقص الرقيب؟
- أنا لم أنشر في سلاسل الدولة عملا واحداً وبالتالي لم أعان من مقص الرقيب ورغم الخلافات غير أنني منذ عام 98 بعد رفض الرقيب أعمالي قررت ألا أتعامل معهم بعد هذا التاريخ ونشرت على حسابي مرة وفي مرة أخرى كان لي أصدقاء يؤمنون بموهبتي نشروا لي ولكن في حدود ضيقة وكانت محاولتهم مجرد إعلان لرفض الفساد الثقافي في مصر ونشرت فعلا مجموعتي ” جمعية منتظري الزعيم” على نفقتهم الخاصة وبعد عمارة يعقوبيان اكتشفت أن أعمالي السابقة لم تقرأ فروايتي الأولى والمجموعتين القصصيتين تعرضوا لنفس الظروف هي النشر المحدود للغاية فاخترت بعضها وأصدرت ” نيران صديقة ” وطبع منه 4 طبعات حتى الآن..
- خرجت عن الفضاء المحفوظي المعروف- المدينة العتيقة - لتميط اللثام عن فضاء مسكوت عنه في الكتابة السردية المصرية رغم أهميته فاخترت مكاناً ضيقاً وفضاء عمودياً لتطارد تصف قرن من التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها مصر… كيف بدأت تتشكل عندك عمارة يعقوبيان وهل كانت لك علاقة شخصية بها كفضاء؟
صمت برهة ثم قال: هذه الرواية تقع تحت نوع أدبي معروف وهو بطولة المكان وهذا النوع معروف منذ القرن الـ 19 من أيام بلزاك الفرنسي الذي كان يكتب عن إحياء باريس ويشخص هذه الأحياء وبعده كان الكاتب اليوغسلافي العظيم ايبوا ندريتش وتناول حكاية جسر على نهر درينه بيوغسلافيا على مدي 600 عام وهي رواية عظيمة جداً ثم جاء لورانس دار الذي قدم الإسكندرية وأيضاً استخدم أستاذنا العظيم نجيب محفوظ المكان بكثرة في أعماله فأحببت أن أجرب في هذا المجال علماً بان الشخصيات بالنسبة لي هي الأهم وأنا عندما اكتب رواية لا يكون في ذهني الدخول في الفضاء المحفوظي أو الخروج منه ورغم كل هذا فقد وضع اسمي المتواضع بجوار اسم العملاق نجيب محفوظ في العديد من الكتابات النقدية التي تتحدث عن الخروج من الفضاء المحفوظي ونجيب محفوظ ليس أهم روائي عربي بل واحد من أهم الروائيين في تاريخ الأدب العالمي على الإطلاق ولو لم يكن نجيب محفوظ عربيا لحصل على نوبل بالثلاثية فقط وكما نعلم جميعنا أن نوبل الأدبية متحيزة دوماً وتختلف عن نوبل العلمية التي لا تستطيع أن تتحيز لان في الأدب وجهات نظر وفي العلم حقائق محدودة لدينا كتاب عظام لم يحصلوا عليها رغم استحقاقهم وهناك كتاب متواضعين حصلوا عليها وقد ظل محفوظ يبدع ويتألق حتى أصبح من الوقاحة استمرار تجاهله..
ويضيف : أعود فأقول أن أكثر ما يهمني هو الشخصيات وأنا اكتب الرواية في ثلاث سنوات افتتح لكل شخصية ملف على الكميبوتر وأظل بصورة شبه يومية أضيف لكل شخصية تفاصيلها من حيث الشكل والمضمون والطول والقصر, والبدانة والنحافة، هل يدخن؟ … عصبي ؟.. هادئ.؟. ملابسه ويكفي أن أقول لك إني قارئ جيد لمجلات الأطفال ومطبوعات المرأة وافهم في المكياج والتخسيس وكافة التفاصيل المرتبطة بالمرأة ككيان واقرأ مجلات الحوادث.. واقرأ وصفات الطعام واقرأ وصفات الطعام وكل ذلك يساعدني في وضع تفاصل كل شخصية وعندما تكتمل التفاصيل أرى أمامي الشخصية بوضوح شديد واصدق شخصياتي وان لم أصدقها لا استطيع الكتابة ثم ابدأ في تحريكها حتى تأتي أعظم اللحظات في عمر الكاتب عندما تتحرك الشخصيات وحدها وتقودني إلى حيث أعماق تفاصيلها… وعندما تحاول فرض أشياء على شخصياتك ربما ترفضها لأنها تملك زمام القيادة ولا تستطيع أن تفرض عليها ما ليس فيها وصدقني عندما أقول لك إنني عندما ابدأ بالكتابة على الكمبيوتر تفاجئني في كثير من الأحيان تحركات الشخصيات التي وضعتها ..
يقول الناشر الايطالي فلترينلي الذي أصدر “عمارة يعقوبيان” باللغة الايطالية أن هناك روايات ميتة وروايات حية وأنا انشر الروايات الحية فقط .. هذه الحياة التي يقصدها فلترينلي تأتي من حيوية حركة شخصيات الرواية وأنا أسعى دوماً لكتابة الروايات الحية. .
- هل كانت العمارة صورة للمجتمع المصري وبنيته الطبيعية؟
قال بحسم: لم يرد هذا الخاطر في ذهني أثناء الكتابة لم اسع ولم يدر بخلدي ما رآه النقاد وأنا أرى أن الأديب اخر من يحق له أن يقيم أعماله ولا يحق للكاتب أخلاقيا أن يقيم أعماله… عليه الكتابة وعلى النقاد تناول ما يكتبه..
- رغم انك قدمت جزءاً من الإجابة على سؤالنا التالي إلا أننا مازلنا نتساءل كيف تبني الشخصية الروائية؟ هلي هي شخصية ورقية خالصة أم شخصية واقعية معدله جينيا بالتخيل؟
- لابد أن يرى الأديب شخصياته ويصدقها والا تخرج الكتابة بلا نبض وهي مسألة أمانة والشخصية من وجهة نظري تبني عن طريق الخبرات الانساينة بالإضافة إلى الخيال لنفرض أنني رأيت ثلاثة وزراء فاسدين والتقيتهم أكثر من مرة فعندما تتناول شخصية وزير فاسد فلديك خبرتك ولديك خيالك أيضا للمساهمة في بناء هذه الشخصية..
- هل تعتبر كتاباتك واقعية وهل يسيء للكاتب أن يكون واقعياً؟
- لا طبعاً..أنا لا اعرف إذا كنت أحقق المدرسة الكلاسيكية الواقعية أم لا لان في ذلك خلافات نقدية لا شأن لي بها وأنا لست مؤهل لان أقدم نقداً لأعمالي ولا يهمني إطلاقا التسمية وما يهمني في المقام الأول أن اكتب أدبا جيداً مهما كانت المدرسة التي ينتمي إليها فهذه حديقة تتسع لألف زهرة..
- شخصية الشاذ جنسيا التي ظهر بها حاتم بك أخذت مساحة كبيرة من لحم الرواية وهذا يحسب لك لأنك من الكتاب العرب القلائل الذين قدموا صورة كاملة لهذه الشريحة المجتمعية الموجودة اعترفنا بذلك أم لم نعترف وقد حللت الأسباب التي أوقعت بها في قاع الشذوذ حتى أن القارئ قد يتعاطف معها في بعض الأحيان… كيف فكرت في معالجة هذه الفئة وكيف امتلكت قاموسها اللغوي وهل احتجت لزيارة أماكن نشاطهم لنقل نشاطاتهم أم كانت عيادتك قد وفرت لك فرصة ملاقاتهم؟
- عيادتي للفم ولا علاقة لها بالأمراض التناسلية وضحك ثم قال: الأدب فن إنساني للغاية وأنا لابد أن أحب شخصياتي حتى اكتبها والأدب يعلمنا أن نحب الآخرين وتلتمس لهم الأعذار وان تستشعر الآلام الإنسانية والأدب يجعلنا أكثر إنسانية وأكثر رحابة وتفهم لأخطاء الآخرين ومن هذا المقام عن لي أن ابني شخصية حاتم ليس كما قدمت من قبل في أعمال كثيرة سخرت منها وحاولت تقديمه في صورة الإنسان الذي أصيب بمحنة كبري فهو اجتماعياً باهر النجاح وموهوب للغاية ومثقف جداً وفي حياته السرية مساحة من الوضاعة التي تجعله يستسلم لرغباته الشاذة فتضعه في مواقف سيئة للغاية وهو لديه حالة من التمزق واحتقار الذات وبعضهم ينتحر أما قضية معرفتي بلغتهم ومفرداتهم فهناك ما يعرف بالبحث الروائي وهو لا ينطبق على شخصية حاتم فقط والبحث الروائي يدفعك للحصول على معلومات تضاف إلى رصيدك من المعلومات المتوفرة لديك والاستزادة ويكفي أن أقول لك على سبيل المثال إني حتى أتعرف على شخصية طه الشاذلي المنتمي للجماعات الإسلامية المتطرفة قرأت كل التحقيقات التي أجريت معهم حتى أن كلمة السر التي وردت في الرواية “النصر والصبر” هي كلمة السر التي استخدمها تنظيم الفنية العسكرية الذي كان يقوده صالح سرية ووفقني الله أن التقيت مع صيدلي كان ينتمي إلى تنظيم إسلامي واعتقل ثلاثة أيام وكتب مذكراته فاستأذنته واطلعت عليها و أيضا في موضوع الشذوذ كانت تنقصني معلومات كثيرة فقرأت في علم النفس كثيراً و لي صديق مدرس في جامعة حلوان وكان يعمل ضابط شرطة من قبل وعندما كان ضابطاً مسئولا بقسم قصر النيل قتل محامي مشهور اسمه الرشيدي وكان شاذا جنسيا فاستدعوا كل الشواذ للتحقيق معهم فقدم لي خبرته في التحقيق مع 120 شاذا عن مفرداتهم وملامحهم وطرق صيدهم وكل ما يتعلق بلغه السيم وهكذا اعتمدت على البحث الروائي للحصول على المعلومات الخاصة بكل شخصية أو فئة في الرواية.
- ألم تكن قلقا من تجسيد شخصية الشاذّ بهذه التفاصيل ومن استقبال المجتمع لها؟
- أنا لو كتبت لا أخاف وان خفت لا اكتب وهذا في الأدب والسياسة ويكفي أن أقول أنني تركت الكتابة في صحيفة معارضه لان توازناتها تحول دون الجرأة في التناول… لذلك لم أكن قلقاً أبدا لان الخوف والكتابة نقيضان لا يجتمعان..
- بعض شخصيات روايتك “عمارة يعقوبيان” حملت أسماء مناقضة لطبيعتها مثل “ملاك ” الذي لم يكن إلا شيطانا… كيف تضع أسماء الشخصيات؟ هل كنت تسعى إلى فضح متناقصات هذا المجتمع الذي يتظاهر صباحاً بالطهر ويرتكب أفظع الكبائر بعد الظهر؟
- لو أن ما تقول حدث فسوف أكون سعيداً للغاية فمن سمات المجتمع الاستبدادي أن يحدث فيه تلقائيا مستوين من الفعل… فعل علني وآخر سري وهذه الازدواجية تبدأ من النظام السياسي وقمته فهو يقول انه منتخب وهو غير منتخب … مجلس الشعب يقول انه يعبر عن رأي الجماهير وهو في الأصل لا يعبر عن إرادة الجماهير وهكذا تنتقل مستويات الفعل حتى المواطن العادي فمثلا على كورنيش النيل سترى فتيات محجبات مع شباب بصورة تتناقض مع حجابهن وهذه ازدواجية وتلك من سمات المجتمعات التي تحكم بالاستبداد أما موضوع الأسماء فإنني أختارهم وفقاً لما تقتضيه الشخصية..
- الشيزوفرينيا التي تتحدث عنها هل تبدأ من القمة إلى القاع أم أن ارتباطهما أشد من أن تعرف البداية؟
- لا.. هي تبدأ من القمة .. قمة النظام السياسي وسأضرب لك مثلاً فأنا طبيب لو كنت أعمل في الصباح داخل مستشفى حكومي وبعد الظهر في مستشفى قطاع خاص.. في المستشفى الحكومي لا أجد أدوات ولا أحصل على حقوقي والتمريض ضعيف وسكرتيرة مدير المستشفى هي المدير الحقيقي والذي يرشي المدير يحصل على الترقية وبعد الظهر يحدث العكس تماماً فالإمكانيات متاحة وحقوق الطبيب يحصل عليها والترقية بالعمل… هنا رغم أن الطبيب واحد فإن نتيجة العمل لن تكون واحدة على الإطلاق ونظام إدارة المستشفى يتطابق مع نظام إدارة البلد ولك أن تنظر إلى ما حدث في مصر عام 1973 ماذا فعل الناس عندما صدقوا الفعل.. إنني اذكر وأنا صغير عندما ذهبنا لجمع التبرعات كانت النساء تقدمن حليهن الذهبية لان الجميع صدق الفعل… والشعب المصري عانى من الاستبداد وتعلم كيف يتعايش مع الاستبداد ووصلنا إلى ما يمكن تسميته بعبقرية الحل الوسط فما يبدو مستحيلاً للآخرين نستطيع في مصر أن نفعله وإذا أردت أن تعرف رأي المصريين الحقيقي ستجده في عيونهم وليس في كلامهم..
- هل تعتقد أنك قدمت شيئاً إلى تلك الطبقات المسحوقة التي قدمتها في روايتك أم أنك اكتفيت بتعريتها؟
- وظيفة الأدب اكبر من هذا بكثير فالأدب لا يغير الأوضاع وليس من أهدافه تغيير الوضع والأدب في تصوري يغير الإنسان والإنسان يغير الأوضاع لان الأدب فن راق يجعلنا أكثر إنسانية إنما تغيير الأوضاع بشكل مباشر ليس من وظائف الأدب وربما يأتي بالعمل السياسي و الكتابة الصحفية عبر المقالات فالأدب قضية إنسانية في المقام الأول واذكر في هذا المقام قصة للكاتب الكبير يوسف إدريس اسمها نظرة تحكي قصة طفلة صغيرة في يوم العيد تحمل صاج كعك وملابسها متواضعة للغاية والأطفال من سنها يلعبون فتنظر إليهم وإلى ملابسهم وهي تتمنى اللعب معهم ولكن جدتها نبهت عليها أن تعود سريعاً وعندما تتذكر كلام جدتها وقبل مغادرة المكان تنظر إلى أقرانها نظرة أخيرة وتنتهي القصة ومنذ أن قرأت هذه الحكاية وأنا ابحث في أيام العيد عن مثيلات بطلة القصة لكي أحنو عليهم وهكذا الأدب غيرني كشخص..
- كيف تتحكم في الايروسى أو كتابة الجنس باعتبارها أحد التلوينات وواحدة من مشكّلات العمل الروائي دون السقوط في الابتذال؟
- الجنس بالنسبة إلي لغة فاللغات الإنسانية كثيرة ومتعددة ولا نعرف منها الا لغة الكلام فالنظرة لغة إنسانية والصمت لغة إنسانية وأحيانا نرى اثنين متزوجين منذ سنوات طويلة وبعد فترة صمت لا تتفاجأ ان قالت الزوجة لزوجها وما الذي يغضبك الآن ؟ لأنه وبعد هذه السنوات تعلم كل منهما ادراك شعور الآخر حتى في لحظة الصمت وأيضا الجنس لا يمارس من اجل الشهوة فقط وإنما من الممكن أن يمارس من اجل إظهار أحاسيس جميلة وأحيانا يمارس من اجل السيطرة أو كنوع من العقاب أو تفريغ التوتر وبالتالي انظر إليه كلغة إنسانية والفن لا يجعلك تسقط في الابتذال ولك أن تكتب ما تشاء بفن وبالتالي لا تسقط في الابتذال..
- هل في الغرف الخمسين التي تحتل سطح العمارة أسرار العمارة كلها؟ وهل رأيت التحولات التي مرت بها تلك الغرف تعكس التحوّلات التي مرت بها مصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؟
- عمارة يعقوبيان في الرواية عمارة متخيلة ولا يوجد أي تشابه بينها وبين عمارة يعقوبيان الحقيقية وقد أعجبني اسم يعقوبيان لان للجالية الأرمينية تاريخ في مصر وأعجبني أن يكون العنوان حقيقيا للإيهام أكثر بالواقعية بالنسبة إلى القارئ وواقع الأمر فان غرف السطح رايتها في الإسكندرية وتستطيع كأديب أن ترى التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في أي شيء وهناك مقولة رائعة تقول إن الأدب الجيد يكشف الجيولوجيا الاجتماعية وكأنها حفريات على سبيل المثال يخت المحروسة يتضمن قصة الملك فؤاد ثم فاروق ثم الضباط وعبد الناصر والسادات وهكذا التركيز في الأشياء يكشف لك التفاصيل..
- كيف يرى الأسواني الأمكنة هل هي التي توحي لك بالأحداث والشخصيات أم العكس؟.
- لا استطيع الإجابة على هذا السؤال وما اعرفه أن هناك حالة تستطيع التعرف عليها بالخبرة حالة كتابة في الموضوع أو في الشخص أو في المكان وفى البدايات تكون الخبرة قليلة ويمكن أن تسير طريقا طويلا في الكتابة ثم تكتشف انك متجه إلى سراب ومع مرور الزمن يحدث ذلك بنسبة اقل ويعد تراكم الخبرات وهكذا تقودك حالة الكتابة واذكر أن لي قريبا مات في شهر رمضان وذهبنا إلى منزله قبيل الفجر وكان له ابن ملتح عندما رآنا أصر على أن نتناول السحور وكنا نحن مشغولين بالميت وهو يصر على أن نتناول السحور فاكتشفت انه لم يتسحر ويرغب في تناول سحوره بشكل لا يحرجه وبالتالي يضغط علينا فوجدت أن هذا الموضوع يكتب وكتبته تحت عنوان أحزان الحاج احمد وهكذا الحالة هي التي تقودك. .
- هاجمت في إحدى مداخلاتك الكتابة المقتدية بالنموذج الغربي واعتبرت نفسك في حل من هذا الواجب المدرسي الذي كرسته مجموعة من النقاد والكتاب مع ذلك نجد في روايتك الكثير من اللعب الشكلي كعملية التوليف أو المونتاج والتقطيع أو الكولاج كما أن كل الأدباء الذين عرفوا بكتاباتهم الحداثية مثل صنع الله إبراهيم والغيطاني وصلاح فضل كانوا أول المساندين لهذه الرواية كيف تفسر هذا الأمر وماذا تعني بالدرس الغربي الذي أنت في حل منه؟
- لم اقل إنني ضد الكتابة الغربية فقد تعلمت في مدرسة فرنسية وتعلمت اللغة العربية والفرنسية في يوم واحد ودرست الأدب الفرنسي بكثافة منذ طفولتي ثم قرأت بالإنجليزية ثم تعلمت اللغة الاسبانية وتعمقت فيها وقرأت كتاب أمريكا اللاتينية بلغتهم ولكني أقول إن الفن يختلف عن العلوم التطبيقية فمثلاً أنا تعلمت الطب في شيكاغوا بأمريكا فلابد هنا أن أقلد الأمريكان في ممارسة الطب اما الفن فيختلف… ادرس التجارب الغربية ولكنى غير ملتزم بالاقتداء بها فلماذا لا يكون لي صوت وحدي ومن حقي أن استخدم الإشكال والحيل التي تلائمني وأنا أنادي بنوع من الاستقلال الأدبي و ليس من الواقعية أن نكون ضد نوع من الأدب اخرج العظام من الأدباء ولكنى غير ملتزم بما يفعله أدباء فرنسا الآن مثلا.. اكتب كما أريد أنا مع حرية القرار الأدبي واستقلاله وغير ملزم بتجارب الآخرين ومع ذلك اقر بضرورة دراسة هذه التجارب..
- ورد على لسان الدكتور صلاح فضل, أن طه حسين وزكي نجيب محمود, وان هؤلاء هم الذين كشفوا عن التراث الفكري والأدبي والفلسفي وهم بناة النهضة؟
- الأستاذ صلاح فضل منحني وساما في الأهرام كما منحني جوائز باعتباره عضو في لجنتين- واذكر انه قال في الأهرام أن هذا الكاتب إن لم يكتب إلا هذه الرواية لكانت كافية لتضعه في مصاف الروائيين الكبار في الأدب العربي ومع ذلك اختلف معه وهو يسمح بذلك فهو أستاذي وتعلمت على يديه ولكن هناك اتجاه أدبي يلزم المؤلف بالراوي والذي يقر بأن الراوي هو المؤلف وهو قريب منه وهناك اتجاه آخر يقول بأن الراوي يناسب الأحداث وتناسبه وبالتالي فالراوي هو نوع آخر من التقمص والاتجاه الآخر في هذا النقد يستند إلى تجارب في المسرحية..
- عمارة يعقوبيان بالتنوع الذي يميزها من خلال وضعك لمجتمع كامل يعيش فيها كيف كانت رحلتك مع التوثيق و مطاردة المعلومة التاريخية؟
- الفكرة أن أصعب فترة هي البداية, لان الفترة الأولى لا يكون لديك رواية أساساً وسبق وأن كانت لدي تجارب مؤلمة كثيرة منها على سبيل المثال اننى عملت لفترات طويلة جريا وراء رواية واكتشفت أخيرا إني امسك بفراغ أو سراب في يدي…
- هل أضاف الفيلم شيئاً إلى الرواية؟
- أولا: أنا كأديب أستمد نجاحي من القراء وأرى أن هؤلاء بجانب النقاد هم الذين يصنعون لك النجاح وبالتالي ليس الأمر موضوع سينما بالنسبة إلي ..
ثانياً : أن جمهور السينما مختلف عن جمهور الأدب.
ثالثاً ان صناع الفيلم من الفروض أن يحافظوا على رسالة الرواية والجو النفسي لها
رابعا: أن السينما هي فكر الجماهير العريضة والشهرة والملايين أما الأدب فأمره مختلف وعلى سبيل المثال إذا سألت أي أديب ستجد أن الشهرة بالنسبة إليه أمر لا يعنيه كثيرا وإنما يهتم أكثر بالتقدير والتأثير لذلك تجد الشهرة لدى عدد كبير ولكن بلا قيمة وبالتالي يمكن القول بان الفيلم لم يبدأ بنجاح الرواية بل بالعكس أرى أن نجاح الرواية يكون قبل مرحلة الفيلم.. وهناك رؤية أخرى تقول انك تذهب إلى السينما لأنك تحب الرواية وتذهب لترى ماذا فعلوا بها سينمائيا, وهذا يمثل عبء على المخرج لإنجاح الرواية, و أرى أن الفيلم نجح جداً وأنا سعيد بهذا النجاح.
-هل السيناريو الجاهز للسينما كان دافع لك لعمل هذا الفيلم؟
- سبق وان عرض على الكتابة للسينما بإغراءات مالية كبيرة ولكنني أفضل كتابة الأدب أكثر من الكتابة للسينما.
- هل تعاملت مع الرواية كنص أدبي؟ هل شاركت بالرأي في اختيار الممثلين؟
- لم أشارك في ذلك لأنني مقتنع بأنه ليس من حقي التدخل في هذا الشأن فانا كاتب روائي, والفيلم مسؤول عنه صناعه ولا أحب أن أتدخل في إعمالهم وكل ما فعلته أني حضرت أول يوم في التصوير وشاركت في الحفلة ثم اختفيت تماما ولم أقرأ حتى السيناريو وبمناسبة وجودي في نيويورك في مهرجان ذهبت لمشاهدة الفيلم مثل أي مشاهد وأعجبت به كثيرا..
- هل كانت شخصية الممثل حاضرة في ذهنك عند الكتابة؟
إطلاقا والأستاذ عادل إمام حدثني كثيراً ولم يكن في ذهني أن يتم تحويل الرواية إلى فيلم, ومع ذلك فان الفنان عادل إمام قام بعمل الدور بطريقة جميلة جداً وعظيمة بشكل حي بعيدا عن الشكل فهو يحمل ملامح الانسان المصري الشعبي ومع ذلك قام بالدور لأنه فنان كبير واستطاع تقديم الشخصية ببراعة وأنا اعتبره من أعظم أدواره..
هل السينما العربية تمتلك جرأة تقديم هذه الصورة؟
- سبق وان قدمت السينما هذا النوع من الجرأة خلال حقبة الخمسينات في فيلم حمام الملاطي.. لكن اليوم الأمر مختلف.
- هل تمت ترجمة الرواية لأنها تقدم صورة ترضي الغرب وهل أنت راض عن الترجمة الفرنسية ؟
- الغرب يترجم الصورة التي يريدها ولكن يكفى ان أقول لك إن الرواية باعت في فرنسا خلال شهرين “25″ ألف نسخة , وفي ايطاليا لاقت الرواية نجاحا كبيرا جداً وكذلك في أمريكا سوف تخرج من دار نشر كبيرة أيضا. والإقبال على شراء الرواية في الغرب يؤكد اتجاهها الايجابي وليس له علاقة بالشخصية النمطية للرواية.
- هل أنت راض عن الترجمة الفرنسية ؟؟
- بشكل كبير راض عن الفرنسية والانجليزية اما الإيطالية فلا استطع الحكم عليها
- كيف قدمت ” جمعية منتظري الزعيم ؟
- أعجبت بفكرة أن هناك من ينتظر الزعيم , واستخدمت الوفد, لأنني وفدي الهوى باعتباره أعظم تجربة في تاريخ السياسة المصرية, وأعجبت كثيراً بفكرة أن هناك شخصيات من أقطاب حزب الوفد تقدم بهم العمر وتغير العالم من حولهم ومازالوا في انتظار مصطفى النحاس وهي فكرة القصة على أساس أن أقطاب الوفد في انتظار الزعيم وقدمتها من خلال من يتحدث للزعيم في الصورة فبدأ يخرج من الصورة ثم بدأ هذا المتحدث في إقناع أصدقائه بان الزعيم عاد, وترتب على ذلك حالة من الالتفاف والانتظار بان الزعيم سوف يستمر في بيت الأمة ويشكل الوزارة, وتتوالى الأحداث حتى نهاية القصة ويقتنع كبار السن في النهاية, خاصة أن الخاتمة تسدل الستار على انتظار هاتين الشخصيتين وهما في انتظار سيادة مصطفى باشا وبجوارهما مواطنين عاديين يأكلون الفول وحركة شعبية مزدحمة حولهما وبالتالي إنا استخدمت الوفد باعتباره اقدم حركة سياسية لكن يمكن تخيلها على أساس أن الناس تنتظر الزعيم جمال عبد الناصر “أو السادات .. الخ.”
- قبل أن نترك عمارة يعقوبان هل يقلقك نجاحها؟
أقلقني لفترة ثم تخلصت من ذلك وهذا النجاح كان مرعبا وقد كتبت ذلك ومازلت أتلقى ردود فعل الناس حتى بعد أربع سنوات في مصر والعالم العربي وقلت لنفسي لابد من وضع هذا النجاح في قلبي ثم استمر في العمل..
- لم تتناول في مجموعتك نيران صديقة حرب الخليج وتناولت ظواهر اجتماعية مصرية ؟
قمت بكتابتها في ظروف مختلفة جداً ووجدت انه من واجبي أن أقدم لقرائي أعمالا حازت إعجاب الجميع وقد تجسدت لدي الفكرة من خلال بيانات في حرب العراق عندما يقال قتل جنديان بنيران صديقة, وهذه الفكرة استوقفتني وهو كيف تكون النيران صديقة وهي تقتل, وما جدوى أن يكون صديقا أو عدوا إذا كانت النتيجة واحدة, ووجدت أن الفكرة يتعرض لها المواطنون في حياتهم اليومية وهي النيران الصديقة وربما تكون أكثر قسوة من نيران الأعداء وبالتالي يمكن القول بأنها مجموعة من التجارب الفنية الأدبية المختلفة..
يتهمك البعض بتشويه المجتمع المصري ؟
- من يسدد هذا الاتهام لأي شخص تكون معلوماته عن الأدب ضعيفة , لان الأدب ليس تابعاً لوزارة السياحة وأنا لا اكتب رواية حتى اقنع الأجانب بقضاء بعض الوقت في شرم الشيخ, ولان وزارة السياحة شيء والأدب شيء آخر فهو ليس مع مصر أو ضدها وإنما هو مع الإنسان و الأستاذ رجاء النقاش تحدث في هذا الموضوع عندما ذكر أن”تشارلز ديكنز” أهم روائي في التاريخ كتب عن عيوب ومساوئ المجتمع البريطاني” وهذا يؤكد مقولة أن الأدب يبحث عن الإنسان بكل مكوناته والخير والشر فيه , وهذا موجود في الأفلام عندما تظهر زوزو ماضي أو نور الدمرداش “يكون الانطباع الأول انه ستحدث مشاكل, وعلى النقيض إذا ظهرت فاتن حمامة يحدث انطباع أنها ستكون شخصية طيبة وخيرة وابسط شيء إنها تبكي واقصد بذلك كله أن هذه الأنماط وغيرها ليست من الأدب في شيء..
- ألا تعتقد انك كنت في نيران صديقة قاسيا و “قصووياً” بعض الشيء مثل نيتشه عندما كان يعبر عن كرهه للألمان؟
في مسألة القسوة نعود مرة أخرى لمشكله الراوي والمؤلف وهذه خطورة الرأي في رؤية الأستاذ صلاح فضل, وفي هذه الرواية يصبح الموقف بالنسبة إلي فيه إدانة كاملة لأنه لدي راو وشخصية رئيسية تتحدث عن نفسها وشاب محبط جدا يهاجم مصر والمصريين وينعتهم بصفات سيئة جداً وفي النهاية يتبين انه مطارد نفسياً ومضطرب ويدخل المستشفى والفكرة أن هذا ليس رأيي لان الراوي لا يذكر رأيه وأنا أشبه الراوي بفنان العرائس, بمعنى انك عندما تدخل مسرح العرائس تري العرض دون تفاصيله, وبالتالي الراوي عادة يكتب في المقالات وليس في الأدب.
اعتبرت القصة الأولى الواردة في نيران صديقة قصة قصيرة وهي أكثر من مائة صفحة ألا ترى أنها اقرب إلى الرواية..؟
- هي رواية فعلا ولم اظلمها لأن إمكانيات النشر كانت هكذا ، قمت بنشر كل شيء مع بعض وبعد ذلك قال لي جمال الغيطاني كان من الأفضل أن تكون رواية نيران صديقة بمفردها ولكن هذا ما حدث..
- هل فعلا لم تقع دعوتك إلى مهرجان كان لحضور حفل افتتاح فيلم عمارة يعقوبيان؟
فعلا لم أدع في حفل افتتاح الفيلم وقلت استبعد أن يتم الأمر سهوا لأنني مؤلف الرواية كما أن تعاملي مع أسرة الفيلم ايجابي جداً ودائما كانوا يلحّون في دعواتهم لي, وكانت ظروفي تسمح أحيانا بتلبية الدعوة, وفي مهرجان برلين وجهوا لي الدعوة أكثر من مرة ولكن كانت لدي زيارة لايطاليا واعتذرت, وأحيانا يتم تجاهلي في الدعوات لأسباب أمنية وأرى أن ذلك ضيق أفق لأنني كاتب وطبيباً ولا يمكن لي أن افتعل المشاكل رغم وجود خصومات سياسية لأنني أرى أن سياستهم أدت بنا إلى الحضيض الذي نعيشه حالياً وليس معنى ذلك وجود عداوة أو إنني عندما أرى مسئول سوف أتسبب بمشكلة وارى أن المفارقة الأكبر أن هؤلاء الناس الذين رأوا أن وجودي غير مريح لجهات أمنية وهؤلاء الأشخاص أتوا لمشاهدة أفكاري في الفيلم ة وهذا دليل على حالة التخبط وضيق الأفق..
- يقال أن الايدولوجيا تقتل الإبداع هل الإبداع يدفع علاء الأسواني لأن يتخلى عن ايدولوجيا من اجل الفن الروائي
لن أتخلى عن أفكاري ولن أتخلى عن إيديولوجيتي وأنا حريص منذ سن “19″ على كتابة مقالة سياسية في جريدة معارضة لان هذا واجبي الوطني وثانيا في ذلك فائدة فنية لأنها تخلصني من الطاقة السياسية الزائدة حتى لا تخرج فالأدب, ولان الضغط السياسي يفسد العمل الفني..
- نجاح الرواية دفع البعض إلى اتهامك بسرقة العمل- ما هو رد الأسواني؟
- سبق وان اتهمت بكل أنواع الاتهامات وهذا لأننا نعيش في مجتمع استبدادي لا يوفر فرص حقيقية لأبنائه بدليل إننا في مصر لدينا حاملي شهادات في الطب والهندسة ومع ذلك يحاولون عبور البحر المتوسط من خلال المراكب ويتعرضون للموت وعندما يصل الموضوع لهذه الدرجة أن طالب جامعي يبقي 18 ساعة مختفيا في صندوق بسفينة حتى يصل إلى الشاطئ الآخر خارج البلاد إذن مصر أصبحت طاردة إلى هذه الدرجة وتخيل كذلك أن احدى الدول تعلن عن أطباء أسنان فيذهب لها نصف الأطباء المقيدين في مصر في هذا التخصص إذن الجميع محبط في هذا البلد الذي لا يوفر فرض العمل لأبنائه ونرى انه من حقنا أن نكون أفضل من ذلك لن أتحدث عن الموضوع بشكل شخصي وهنا لابد أن يبدأ هؤلاء المحبطون احالة العداء الشخصي لهذا الشخص وهو مؤلم جدا ولكنني أتفهم ذلك المعادي الذي يعادي فكرة أن تحرز أنت كل النجاح, ويكفي أن اضرب لك مثالا بأحمد زويل الذي هاجموه في مصر رغم نجاحه المبهر, ومن المفروض أن نفخر بزويل الذي حصل على نوبل وتفوق على أقرانه في العالم كله.
- ما الجديد الذي قدمته في شيكاجو حسب رأيك؟
- هي رواية تدور أحداثها في الولايات المتحدة الأمريكية وربما يكون الجديد فيها عن الشخصيات الرئيسية المصرية والأمريكية أيضا ففي السابق كانت الشخصيات الأجنبية هامشية فقط.
- شكرا على هذا اللقاء الخاص و لنا حول شيكاجو حديث آخر .
* عن الرأي الأردنية
كتبها علاء الأسوانى في 07:21 مساءً ::
ألم تتخذ قراراً بعد بتشريفنا بالزيارة
ما اروع حواراتك
اتعلم منها الكثير
لست روائى موهوب جدا فحسب
بل انسان صاحب رؤيه ومنهج له كامل الاحترام
الاسم: علاء الأسوانى
