الأسواني: الحاكم المستبد لا يفهم الثقافة

كتبهاعلاء الأسوانى ، في 27 أكتوبر 2007 الساعة: 18:56 م

أخـذه السمسـار إلـى الشقـق القديمـة فانفتـح لـه عالـم وجـد فيـه روايتـه «بنايـة يعقوبيـان»

عـلاء الأسوانـي: ما يحدث في مصر يحدّد مستقبل الديموقراطية في العالم العربي
 
جريدة السفير اللبنانية
 
بتاريخ 5 /12 /2006


النجاح الكبير الذي أصابته رواية عمارة يعقوبيان للكاتب الروائي علاء الأسواني باللغة العربية واللغات التي ترجمت إليها مثل الفرنسية والإنكليزية ومن بعدها الفيلم الذي حمل نفس العنوان شكّل ولا يزال يشكل تساؤلا مهماً في الوسط الثقافي والإبداعي المصري والعربي على حد سواء عن السر وراء هذا النجاح، وهذا التساؤل طرح بدوره تساؤلات عدة علي النقد حول المتلقي / القارئ والمشاهد وطبيعة تطور النوع الأدبي، الرواية متميزة رؤية وأسلوباً، تعالج قضايا جوهرية في المجتمع المصري ترتبط بالتغيرات التي لحقت بتركيبته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية خلال ما يقارب نصف قرن، قراءتها سهلة لكن تأملها شديد التعقيد، لا تزال تواصل الحضور لدي قطاعات واسعة من القراء والمثقفين، كما تلقي اهتماما نقديا واسعا، هذا في الوقت الذي تعاني فيه أعمال كثير من الأدباء من عدم إقبال القراء والنقاد أيضا عليها، وتعاني فيه سوق النشر من ضعف المبيعات عامة.. اللقاء بكاتب رواية عمارة يعقوبيان الذي عانى بشدة في مقتبل حياته الأدبية نتيجة تعنت دور النشر الرسمية ويحصد الآن شهرة فاقت شهر الكثير من الكبار والذي يتمتع بحضور إنساني جميل، سوف يكشف الكثير..


بداية هل يمكن التعرف على المكونات الأساسية التي شكلت رؤيتك إنسانيا وإبداعيا وما الدور الذي لعبه والدك الكاتب الروائي عباس الأسواني ؟ وما الأثر الذي تركه عليك تعليمك في إحدى الجامعات الأميركية؟
} تأثرت جدا بكون والدي الراحل عباس الأسواني، وهو كاتب كان معروفا في مصر والعالم العربي، وصاحب الفضل الأول عليّ بعد المولى عز وجل، كنت طفلا وحيدا متعلقا به جدا، وكانت الكتابة والثقافة أساسيتين في جو المنزل، فضلا عن الحوارات والنقاشات بين أصدقاء الوالد من الكتاب والفنانين، هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا بالنسبة لي وأنا طفل صغير مجرد أصدقاء لوالدي ولكن عندما كبرت اكتشفت أنهم كانوا أعلاماً، أسماء كبيرة جداً كانت تتردد على بيتنا منها على سبيل المثال محمود السعدني، وزكريا الحجاوي، وأحمد طوغان، وإحسان عبد القدوس، وسيد مكاوي، وصلاح حافظ، وحسن فؤاد، وكان والدي حريصا على أن أحضر مجالسه معهم، من هنا بدأت أتعلق بالكتابة لتصير الحلم الأول في حياتي، وساعدني على تعميق هذا الحلم مكتبة والدي الضخمة وتعلقي بالقراءة، وقد تبلورت ميولي الأدبية واتضحت تماما في المرحلة الثانوية، فراسلت برنامج لقاء المستمعين بصوت العرب من خلال كتابة مقال أسبوعي، ولأن الأدب لا يشكل مهنة في عالمنا العربي نكتسب منها الرزق، كان لا بد أن تكون لي مهنة أخرى فوفقت إلي الالتحاق بطب الأسنان لكني لم أنس الكتابة، تعلمت بكلية طب أسنان جامعة القاهرة ثم أكملت تعليمي بجامعة ألينوى بولاية شيكاغو بالولايات المتحدة، وطوال هذا الوقت كانت الكتابة معي، فأثناء المرحلة الجامعية كان لي نشاط أدبي قوي وحصلت على عدة جوائز في الكتابة والإعداد المسرحي، وبعد عودتي من الولايات المتحدة بدأت النشر بمجموعة قصصية عام 1990 ثم أعيد طبعها مرة أخرى عام ,1994 ثم مجموعة قصصية أخرى عام ,1998 وكان لدي رواية عام 1990 لكن كانت هناك مشاكل في النشر، أول نشر على نطاق واسع كان رواية عمارة يعقوبيان، وأعدت بعد رواية عمارة يعقوبيان نشر روايتي الأولى وبعض القصص القصيرة من أعمالي السابقة بعنوان (نيران صديقة).
ولأنني تعلمت في مدارس فرنسية فقد أتقنت اللغة الفرنسية الأمر الذي أتاح لي الاطلاع على الأدب الفرنسي مبكرا جدا، ثم أتقنت اللغة الإنكليزية، وبعد عودتي من أميركا تعلمت اللغة الإسبانية لمدة عامين حصلت خلالها على درجات متفوقة ليتم إيفادي في بعثة لعدة شهور لدراسة الحضارة والأدب الأسبانيين، استفدت خلالها جدا جدا.
ثقافات
ما أهم الكتب التي قرأتها مبكرا وتركت لديك أثرا عميقا بحيث يمكن القول إنها شكلت ملامحك الإبداعية؟
} آلاف الكتب، لقد قرأت كل ما كتبه أستاذنا نجيب محفوظ وأيضا أستاذنا يوسف إدريس، والأدب العربي بشكل عام قرأته في سن مبكرة جدا، كان والدي يقودني فنصحني مثلا أن أؤجل قراءة الأدب الروسي إلى أن ألتحق بالجامعة، وقد كان وقرأت الأدب الروسي في السنة الأولى والثانية من المرحلة الجامعية ديستوفيسكي وبوشكين وتولستوى وتورجنيف، وبالنسبة للأدب الفرنسي فقد بدأ برنامجي لقراءته والتعرف على مفاتيحه مبكرا بحكم تعليمي الفرنسي، وفي مرحلة أخرى انفتحت على التراث العربي فقرأت كتاب الأغاني، وتفسير الطبري، والعقد الفريد والإمتاع والمؤانسة وغيرها من عيون التراث، فوجهة نظري وما تعلمته من والدي وآخرين أنه ليس بالضرورة أن ترى أستاذك في الأدب، فقد تكون قرأته وتأثرت به وهو من عصر آخر، فأنا أعتبر تشخوف وديستوفيسكي من أساتذتي وهم من زمن آخر وبلد آخر، تعلمت أنه يجب أن تقرأ ـ بدون مبالغة ـ ألف صفحة لتكتب صفحة، أيضا خبرتك الإنسانية لا بد أن تتسع وأن تنفتح على كل طبقات المجتمع وكل شخصياته، وهذا أمر مهم أفادني فيه مهنتي كطبيب أسنان، فمهنتي طبيب لم تكن إطلاقا عبئا على الكتابة، بل عاملا مساعدا مهما، أولا لأنها مكنتني من أن أكون كاتبا مستقلا، وهذا شيء مهم جدا، فلم أتكسب من الكتابة إلا مؤخرا عندما بدأت أعمالي تترجم في الخارج، قبل هذا لم أحصل على أموال، فعمارة يعقوبيان في اللغة العربية تقريبا لم أحصل منها على أموال توازي الجهد الذي بذل فيها.
الجمع بين الثقافة العربية وثقافات أخرى كالفرنسية والإنكليزية والإسبانية كيف كان أثره على رؤيتك؟
} كانت الإفادة منه كبيرة جدا، لأن هذا الجمع يتسق مع وجهة نظر الأدب، الأدب فن إنساني يعلمنا أننا جميعا في النهاية كائنات إنسانية، قد نكون مختلفين في الدين والثقافة والعادات والتقاليد إنما في النهاية المشاعر الإنسانية واحدة، نحن في العالم العربي في أوقات كثيرة وخصوصا في هذا الوقت الذي نعيش فيه نظل دائما أسرى ثقافة واحدة، أي نرى الأشياء من جانب واحد، من طرف واحد، لذا فإن امتلاك وسيلة للاتصال الواسع بالتجربة الغربية مفيد بالتأكيد، لأنك تتعرف وجهة النظر الأخرى وتستطيع أن تجري حوارا معها، يعني أنا أسافر الآن بسبب الترجمات حيث حققت عمارة يعقوبيان نجاحا كبيرا في أوروبا، واحتفلت دار النشر الفرنسية أكت شوت بمئة ألف نسخة أخيرا، يعني الرواية بيع منها مئة ألف نسخة في الترجمة الفرنسية فقط خلال فترة ثمانية أشهر، وفي الترجمة الإيطالية قاربت نسبة البيع سبعين ألف نسخة، وتم توقيع عقود ترجمات كثيرة بالأسبانية والبرتغالية، عندما أسافر لتوقيع عقد ترجمة يقام لي أكثر من ندوة حيث ان نظام النشر في الخارج يجعلك بالتعاون مع دار النشر تقدم ندوات حول كتابك المترجم، وهذا يسعدني جدا لأنه يعطيني بالإضافة للتعريف بكتابي فرصة لتقديم وجه أفخر به للثقافة العربية، أشرح لهؤلاء الناس لأن لديهم مشكلة (أنهم مش فاهمين حاجة)، فالقطاع العريض لدينا لا يفهم كيف يفكر الغرب، ولا الغرب في القطاع العريض منه هناك يفهم من نحن، إن علاقة الغرب بالثقافة العربية والإسلامية لا شيء سوى أن هؤلاء يفرقعون القنابل ويوقعون طيارات، وللأسف الكثيرون من العرب المقيمين في الغرب يتبنون أفكارا إسلامية منغلقة ومتشددة تعزز هذه النظرة الغربية للعرب.
ماذا عن الرواية الأولى وأين هي؟
} الرواية الأولى اسمها (أوراق عصام عبد العاطي) وللأسف الشديد مشاكلي مع النشر الحكومي تسبب في تأخر معرفة القارئ العربي بي، لأنني حاولت محاولات متكررة أن أنشر عن طريق دور النشر الحكومية سلاسل وزارة الثقافة بهيئة الكتاب وغيرها، كل مرة بمشكلة حتى عام 1998 حيث قررت ألا أنشر إطلاقا ولا أسعى للنشر في دور النشر الرسمية، الرواية الأولى انتهيت منها عام 1990 وذهبت بها إلى هيئة الكتاب وتبين أن هناك فساداً كاملاً في هذه الهيئة، فإما أن تكون كاتبا معروفا أو كاتبا له واسطة وله معرفة بأصحاب النفوذ فلا تحتاج إلى لجنة قراءة، وإما أن تكون لا هذا ولا ذاك يجري عليك القانون، والقانون بائس جدا، لأن عندهم لجنة قراءة مكونة من مجموعة من الموظفين ليس لديهم أدنى فكرة عن الأدب، ودخلت في أدابير البيروقراطية المصرية.. كانت الرواية بضمير المتكلم، وهذا الشخص الذي يتكلم ناقم على الأحوال في مصر ويقول آراء نقدية حادة جدا للمصريين فاعتبروا أن هذا رأيي ودخلنا في مهاترات، ثم قالوا لا بد أن تحذف منها أول فصلين، وبالطبع رفضت وطبعتها على نفقتي، لهذا أول نشر واسع لي كان عمارة يعقوبيان ثم أعدت نشر أعمالي السابقة (نيران صديقة) وضمت هذه الرواية.
هل رواية عمارة يعقوبيان تطوير لرؤيتك لهذه الرواية (أوراق عصام عبد العاطي)؟
} أنا لا أستطيع ككاتب أن أحكم على كتابتي، لا يحق لي، من يحكم على روايتي هو الناقد. لكن بالتأكيد كلما تقدمت بك الخبرة الإنسانية والأدبية تتطور رؤيتك، لكني لا أستطيع تقييم أعمالي، فهذا ليس من وظيفتي، وظيفتي أن أكتب.
ما الذي دفعك لكتابة رواية عمارة يعقوبيان، كيف مهدت رؤيتك وماذا عن فترة الكتابة، هل كانت هناك مؤثرات تتداخل وتتشابك مع رؤاك الأساسية؟
} الرواية تنتمي إلى نوع أدبي اسمه بطولة المكان وهو موجود في الأدب العالمي، وهناك كتاب عالميون له أعمال من علامات الرواية، وبطولة المكان تعتمد على أن البطل ليس شخصا بل مكان، وهذا المكان تنشأ فيه علاقات إنسانية تشكل الرواية، فأنا طبعا أحببت هذه الفكرة. لكن كيف جاءت الفكرة بالضبط، (كنت ماشي في إحدى شوارع غاردن سيتي، وكان هناك مبنى للسفارة الأميركية تهدمه لكي تقيم على أرضه جراج، هذا المبني كان قديما، وفوجئت بمشهد غريب جدا، أن المبنى قائم، هدموا جدارا واحدا، «زى ميكون حدة جبنة وأنت قطعتها بسكين، أنت أمام مبنى كامل متشال منه جدار، الناس اللي سابت المبني ده لم تأخذ كل حاجة، ناس سايبه فوطة في الحمام وناس سايبة جرائد في الغرف، وصور معلقة، وأشياء أخرى»، وقفت أتأمل هذا المبنى أكثر من نصف ساعة، قلت إن هذا المبنى وهذه الغرفة شهدت حياة أناس كثيرين جدا، يعني هذه الغرفة التي يتم هدمها الآن ربما تكون شهدت لحظات ليلة زفاف مرتبكة، أو طالب ثانوية عامة يذاكر ويحب بنت الجيران، وآخر ينتحر، اللحظات المتوتر قبل الطلاق، رجل يحتضر، ولادة طفل، فقلت ان هذا كنز، «أنا لو عرفت أكتب قصة مكان طبعا متخيلة تبقى حاجة جميلة جدا»، في نفس العام كنت أرغب في تغيير عيادتي بوسط القاهرة، اخترت سمسارا وبدأنا رحلة البحث، فإذا بكنز ينفتح أمامي، تعرفت على الشقق القديمة بوسط القاهرة التي يرغب أصحابها في تركها، عثرت على كنز إنساني، خوجات، وأرمن، وعجائز، ووجدت سقف عمارات وسط القاهرة مأهولة بالسكان، وحدث موقف طريف أنه مع اكتشافي لهذا الكنز نسيت أمر العيادة، فأصبحت كل يوم أصحب السمسار، أعطي له عشرة جنيهات لنبدأ الجولة، نشأت بيني وبين عدد من سكان هذه الشقق صداقات، يعني كان هناك راقصة يونانية تعيش في إحدى عمارات شارع رمسيس، كانت راقصة شهيرة جدا في الأربعينيات والخمسينيات أقمت معها صداقة، تفاعلت مع كل الشخصيات التي أراها، لدرجة أن السمسار بعد عشرة أيام بدأ يقلق مني، وسألني: أنت عايز إيه بالضبط؟ فقلت له: وأنت مالك أنا مش بأعطيك أجرة تعبك لما بتنزل معايا، هو فهم أنني بوليس، وقال لي: أنا راجل ماشي سليم، لكن هذه الفكرة وهذا الجو شحنني، هذه كانت بداية فكرة عمارة يعقوبيان.. أنا عندي أفكار ومشاريع لخمس أو ست روايات، كانت عمارة يعقوبيان أول رواية كبيرة، الرواية السابقة كانت رواية قصيرة، فأنا ماشي في خطتي.
أثناء كتابة رواية يعقوبيان كان لدي فرصة للإقامة في الولايات المتحدة الأميركية كما جاءتني عروض للعمل في الخليج، لكني أصررت على البقاء في مصر لأن ما يحدث في مصر مهم جدا للأديب، بمعنى أنني لو كنت مفكرا وأحتاج الى كتابة بحث فلسفي يمكنني كتابته في الخارج اذا توفرت لدي مراجعي، لكن في الأدب أنت تصنع شخصيات، لذا فإن وجودي في مصر بين هذه الشخصيات مع الإحساس بالإيقاع اليومي للحياة مهم جدا لأن هذا يشحنني، ويجعل لدي دائما إحساس بما يدور حولي، ومن ثم يجعل لدي قدرة دائمة ومتجددة على صناعة الشخصية، ولهذا أصررت أن أظل في مصر، وبالتالي الحياة اليومية مفيدة جدا للأديب، ومن هنا أيضا فائدة عملي كطبيب أسنان، ففي عيادتي تأتيني كل الأنماط من الصبح إلى المساء، ولدي قصص لا تنتهي، وكونك أديبا يجعلك ترى الناس بطريقة مختلفة، (أذكر أن هناك مليونيرا معروفا جدا في مصر ـ لا أريد أن أذكر اسمه ـ جاء وقال ان عنده حاجات في أسنانه، فعملت له تنظيف، هو معندهوش حاجة، لكن فوجئت أنه يريد أن يأتي، فأنا أحسست أنه عندما يأتي يريد أن يتكلم، فقلت له: ايه رأي حضرتك تأتيني قبل معاد العيادة بساعة أو نصف ساعة نشرب فنجان قهوة ونتكلم، فقال: يا ريت، ظل هذا الأمر لمدة عام ونصف العام، يأتيني قبل معاد العيادة مرتين أسبوعيا نتكلم، طبعا أحسست أن هذا الرجل عنده كمية أحزان ووحدة لا يتخيلها أحد)، هذا الرجل عصامي وأنشأ عددا كبيرا من المصانع وأصبح مليونيرا لكن عنده مشكلة أنه لا يثق بأحد حتى أولاده، لديه إحساس أن زوجات أولاده يتآمرن عليه، فنشأت بيننا علاقة إنسانية، وأصر أن يدفع فلوس وأنا أصررت ألا أخذ منه شيئا، هذا مفيد جدا لأنه قد تأتي رواية معينة أحتاج فيها إلى بعض ملامح هذه الحياة وهذه الشخصية.
من الواقع
هل انعكست هذه الشخصية وغيرها من شخصيات الحياة العامة في مصر على الرواية؟
} طبعا، من أين تأتي بشخصياتك، من الواقع بالإضافة إلى مخيلتك، يعني أنا أكتب في رواية عن صحافي ممكن حضرتك تأتي في ذهني وممكن ثلاثة أو أربعة صحافيين آخرين، وممكن الشخصية التي أصنعها تكون خليطا من هذا العدد من الصحافيين بالإضافة الى مخيلتي، بالطبع التجربة الإنسانية مفيدة جدا في كتابة الشخصيات. أيضا هناك ما يسمى بالبحث الروائي، مثلا أنا أكتب رواية تدور أحداثها في جريدة، طبعا أنا عندي تجربة صحافية، لكن أنا ممكن أقول لك والله يا أستاذ محمد أنا سأزورك أشرب معاك القهوة في مكتبك بالجرنال كل يوم لمدة شهر، لماذا؟ لأنني أريد أن أعيش الأجواء والإيقاع داخل الجريدة وألتقط الملامح والتفاصيل في مختلف أوقات العمل.
العلاقة بين المتخيل والواقعي في الرواية التبس على الكثيرين من جمهور القراء وأيضا جمهور المشاهدين للفيلم، إذ ان معظم إن لم يكن كل شخصيات الرواية لها أبعاد سياسية متسقة مع الواقع، كيف تعاملتم مع هذه العلاقة في الرواية وما هي رؤيتك لطبيعة هذه العلاقة؟
} غرض الروائي أن يقنعك بأن ما يكتبه قد حدث فعلا، هذا جزء من قواعد الفن اسمه الإيهام، يعني لو تخيلنا أن حضرتك قاعد تتفرج على مسرحية وأحد الممثلين أخرج مسدسا لقتل البطل، فإذا به بدلا من أن يخرج مسدسا مد يده بهيئة المسدس وقال: طخ.. طخ، المسرحية «باظت»، لأنه عمل كسر للإيهام، لماذا نطفئ الأنوار في المسرح أو السينما؟ لكي نعيش داخل هذا العالم الذي يتشكل أمامنا، فالقاعدة في الأدب أن أقنعك أن ما تقرأه ليس متخيلا.. عندما أكتب هذه الشخصيات المتخيلة ولا تخلو من ظلال واقعية وكما قلت لك عندما أصنع شخصية ربما أصنعها من ثلاث أو أربع شخصيات، لكن نادرا بل يكاد يكون من المستحيل أن تقدم شخصية مطابقة تماما لشخصية في الواقع. ما يحدث هو أن القراء عندما يقتنعون بأن هذه الشخصيات حقيقية، وتكون هذه الشخصيات عامة، دائما يلصقون بها أسماء، وهذا يعتبر نجاحا للأديب.
هناك تراجع كبير في علاقة الأدب والثقافة بالسلطة في مصر الآن، كيف كنت ترى لهذه العلاقة قبل كتابة روايتك وكيف نظرت إليها بعدها، وبشكل عام كيف تقيم هذه العلاقة في الفرة الأخيرة؟
} لا يمكن لأي سلطة أن يكون لها علاقة إيجابية مع الثقافة والأدب لو لم تكن سلطة ديمقراطية، هذه قاعدة عليّ وعلى كل الأدباء، السلطة الديمقراطية المنتخبة هي السلطة الوحيدة التي تستطيع أن يكون لها علاقة إيجابية مع المثقفين، ولأن السلطة في مصر ومعظم العالم العربي غير ديمقراطية، فالعلاقة بين السلطة والمثقفين دائما متوترة جدا.
وقد ألقيت كلمة حول هذه العلاقة في حفل جائزة بشراحيل للرواية التي حصلت عليها قالت فيها ان السلطات والأنظمة الديمقراطية هي وحدها التي تستطيع أن تقيم علاقة إيجابية مع المثقفين، الحكومات الاستبدادية لا يمكن أن تقيم علاقة إيجابية مع المثقفين لأنها تنظر للمثقفين بارتياب دائما، لأن المثقف بالنسبة لها يعلم أكثر مما يجب، بمعنى أن المثقف يعلم بالضبط أن هذه السلطة استبدادية وتظلم الناس وأن هناك فسادا و.. و..، ومن ثم تنظر له السلطة بارتياب، وهي تقسمه إما أن يعمل لحسابها ويتحول إلى بوق من أبواقها وإما أن يوضع في مصاف الأعداء، ومصر ليست استثناء، وهذه القاعدة ستجدها في العالم العربي تقريبا بدون استثناء، بينما علاقة المثقف في الغرب بالسلطة علاقة إيجابية جدا لأن السلطة ديمقراطية، منتخبة، أما نحن فليس لدينا سلطات منتخبة، لدينا سلطة قمعية، سلطة قابضة على النظام بالقوة، هي قابضة على نظام السلطة في مصر ليس لأن أحدا انتخبها، لأ، لأنه لا أحد يستطيع زحزحتها، تستطيع أن تقمع كل من تسول له نفسه الاعتراض، مثل هذا النظام ومثل هذه السلطة عاجزة (بطبيعتها ولا أتحدث عن أشخاص) عن إقامة علاقة إيجابية مع المثقف، لا تستطيع أن تفهم الثقافة، لأن الثقافة بمعناها الواسع العميق أبعد ما يكون عن الفكر الاستبدادي، طالما أنت في نظام مستبد، طالما أنت حاكم مستبد فأنت لا تفهم الثقافة، لأن هذا شيء بعيد عن طبيعته، الحاكم المستبد لا يستطيع أن يفهم الثقافة لكنه يفهم الطاعة، إما أن تعمل مع النظام وإما أن تكون من أعدائه ولا يفهم أي شيء آخر.
برأيك هل استغلت السلطة في مصر الثقافة والأدب في خدمة أغراضها أيا كانت هذه الأغراض؟
} طبعا، فالسيد وزير الثقافة فاروق حسني هو باعترافه وليس شائعة أو أي شيء أخر، هو كان ملحقا ثقافيا بالخارج وكان يقدم تقارير للمخابرات وأجهزة الأمن، وهو قد قال هذا في مجلة المصور تعقيبا على مذكرات الدكتور يحيى الجمل وأنا قرأت هذا بعيني، وبالتالي هو قادم من التعاون مع أجهزة الأمن، عندما جاء السيد فاروق حسني إلى وزارة الثقافة قرر (وسأستعمل تعبيره) أن يضع من يستطيع من المثقفين المصريين في الحظيرة، هو قال هذا، قال انني استطعت أن أضع قطاعا عريضا جدا من المثقفين المصريين في الحظيرة، بمعنى إيه في الحظيرة، بمعنى أن يربط هؤلاء المثقفين بمصالح مادية مباشرة مع وزارة الثقافية، وكانت هذه هي سياسيته منذ تولى الوزارة، ان المثقفين المصريين من أول المثقف الشاب الصغير الغلبان بيعينه عقد بثلاثمئة أو أربعمئة جنيه في هيئة قصور الثقافة، لغاية بعض كبار الأسماء الذين يشغلهم مستشارين لا يستشارون لوزارة الثقافة، يعني بيشغله مستشار محدش بيستشيره بس بيديله فلوس، فينتج أن هؤلاء المثقفين وكأنك نزعت فتيل التمرد منهم، لأنك ربطتهم بمصلحة مباشرة معاك، وهذا للأسف الشديد أثر تأثيرا كبيرا على الحركة السياسية في مصر، لأن المثقفين عددهم قد يكون قليلا ولكن تأثيرهم كبير جدا، فتجد مثلا عندما تصدر بيانا ضد إسرائيل كل المثقفين يوقعون عليه، لكن تعال اعمل بيانا ضد التوريث لن يوقع الكل، لأن اسرائيل دي بعيدة، لكن عندما تأتي وتعمل بيان ضد التوريث سيحدث قلق وسوف تقطع الفلوس، وهذا ظهر جليا في الموقف الذي اتخذه صنع الله إبراهيم عند رفضه جائزة النظام وزارة الثقافة، كثيرون جدا وقعوا على بيان تأييد ولهم مصالح مع وزارة الثقافة ثم تعرضوا لضغوط فسحبوا التوقيع، وكذلك الأمر بعد حريق مسرح بني سويف، يعني شخص مسؤول سياسيا عن حريق أدى إلى موت أكثر من خمسين من خيرة مثقفي مصر، بدل ما الناس تطالب بإقالته كتبوا بيان أن يطالبوا فيه ببقائه لكي يستكمل إنجازاته، فهذه مشكلة كبرى.
كتابة للتصدير
البعض يكتب وعيناه على الغرب حالما بالترجمة والجوائز والسفر، هل زارك هذا الحلم عند كتابة الرواية وكيف ترى لعلاقة الأدب المصري بالغرب؟
} الأديب يجب أن يكون مخلصا للأدب، وما تقوله هو خيانة للأدب، والخيانة لا تأتي فقط لما يسمى أو أسميه أنا أدب التصدير، هناك كتابة للتصدير، بمعنى أن أرى ماذا يريد الغرب وأكتبه للغرب، لكن خيانة الأدب يمكن أن تكون أمورا أخرى، أن أكتب ولا يهمني القارئ وأن أكتب وعيني على السينما، أو أن أكون غير أمين في كتابتي أصلا، فالأدب لن يعطيك مقابل ولن يعطيك أسراره إلا إن كنت مخلصا له، واسترجع أي اسم من أسماء الأدباء الكبار ستجد أن إخلاصه للأدب غير عادي بمن فيهم نجيب محفوظ، كلما أخلصت للأدب كلما أعطاك الأدب، إذا خنته لن يعطيك، كل هذا مستبعد تماما بالنسبة لي، بالإضافة لذلك الذين يكتبون للغرب لا يحققون نجاحا حقيقيا، قد يحققون نجاحا وقتيا، لأنهم يكتبون لقارئ متمرس في الأدب تماما، القارئ الغربي ليس مبتدئا، القارئ الفرنسي أو الإنكليزي أو الإيطالي لديه تقاليد أدبية كبيرة جدا، تستطيع أن تحدث فرقعة أو أن يعرف اسمك إنما لن يظل لك وجود حقيقي إن لم تكن تمثل قيمة أدبية حقيقية، نحن لدينا مشكلة حقيقية في قنوات الترجمة، نحن لدينا أدباء كبار جدا في العالم العربي، يعني نجيب محفوظ حصل على نوبل، وهناك عشرة أو عشرون اسما لو فعلا كان هناك عدل يحصلون على نوبل بسهولة، لدينا أدب عربي على مستوى الآداب العالمية بالتحديد في الشعر والرواية، لكن ما يحدث أن عندك مشكلة، قنوات الترجمة مسدودة، وعندما تترجم لا تصل إلى دوائر النشر الحقيقية في الغرب، لأنه في كل بلد من البلاد الغربية هناك دوائر نشر حقيقية، (اللي هي لو أنت نشرت فيها تبقى نشرت، ولو نشرت خارجها تبقى ما نشرتش)، وللأسف 80٪ من الأدب العربي المترجم أو أكثر لا ينشر في دوائر النشر الحقيقية وبالتالي فهو ينشر وقارئ الأدب في الغرب لا يعلم عنه شيئا، وهذا خطأ يخصنا نحن.
جاءت الآراء النقدية حول روايتك متناقضة، كيف ترى لهذا التناقض في الرؤى النقدية وماذا عن رأيك في الحركة النقدية؟
} بمنتهي الأمانة لا أعتبر الآراء النقدية حول الرواية كانت متناقضة، لأن أكثر من 98٪ مما كتب كان إيجابيا جدا في العالم العربي، أما ما كتب في الغرب فكله إيجابي، يعني كتب عن هذه الرواية في إيطاليا وفرنسا وأميركا وبريطانيا، أي الدول التي وقعنا معها ترجمة الرواية وصدرت وهناك ترجمات أخرى وقعتها للغة الأسبانية والبرتغالية لم تصدر بعد، فما كتب عن هذه الرواية في الغرب أضعه كنياشين ليس فقط على صدري وإنما على صدر الأدب العربي كله، وما كتب في العالم العربي وفي مصر أكثر من 98٪ من كبار النقاد في العالم العربي أعطوني شهادات أتمنى أن أظل على هذا المستوى.. في النقد من حق كل واحد أن يرى ما يراه فأنا لا أكتب كتبا مقدسة، واحد يراه إيجابيا وواحد يراه سلبيا فهذا حقه ولكن أحترم دائما الناقد الذي يرى عيوبا في النص الأدبي الذي أكتبه فأجلس وأتعلم منه، أما أن تكتب ـ طبعا ده ناقد أو اثنين ـ لأنك تكرهني أو بيني وبينك مشكلة شخصية يعلمها الجميع أو أشياء أشبه بذلك، فأنا أسقطه.
هل تعتقد أن النجاح المذهل لروايتك جماهيريا وراءه انشغال معظم أجيال كتاب القصة والرواية منذ الثمانينيات وحتى الآن بأمور الحداثة وتقنياتها الأسلوبية والتكنيكية.. إلخ ؟
} دعك من نجاحي أنا لن أقارن نفسي بأحد ولن أقارن أحدا بي، هناك فرق بين الفن والعلوم التطبيقية، كيف؟ أنا طبيب تعلمت في الولايات المتحدة الأميركية، عندما أجيء وأشتغل هنا في عيادتي وأقلد الأميركان، هذا لا يعيبني، لأنهم أبدعوا في هذا العلم، وأنا لن أؤلف طباً أو طريقة، فالعلوم الطبية التطبيقية شيء والفن شيء آخر، الفن مختلف، لا يصلح للتقليد والاتباع، الفن حضارتي وثقافتي وشخصيتي، ما حدث هو الآتي: اننا تأثرنا، (وهنا أكرر أنني أفصله عن النجاح عشان مبقاش أنا بتكلم بمقارنة نجاحي بحد، أنا لا أتكلم عن نفسي، هذه قضيتي وكتبت فيها قبل أن يعرف أحد اسمي وأنا مين، هذا مبدئي منذ أول قصة كتبتها، لما يطلع اتجاه في الغرب في الكتابة أنا غير ملزم به، هم بيكتبوا كده، أنا مش بالضرورة أكتب زيهم، أنا أعرف هم بيكتبوا ازاي، بس لما أجي أكتب أكتب لقارئي، أكتب عنا احنا) ليس بالضرورة كل ما يحدث بالغرب يتحول إلى واجب مدرسي لازم أعيد إنتاجه، وهذا وقعنا في مشكلة، لأن الأدب الغربي خصوصا في فرنسا كان لمدة عقدين من الزمان واقعا في نوع من الكتابة أنا أسميها الكتابة العدمية، كتابة غامضة جدا غير مرتبطة بقضايا إنسانية، نوع من الكتابة أقرب للتمرد منه للفن، أشبه بشخص يطلق صيحة تمرد، يزعق، هناك فرق بين أن تزعق وأن تغني، الزعيق يعني أنك في حالة ضيق، أما أن تغني فهذا يعني أنك فنان، ونحن لدينا نوع من الكتاب من دون ذكر أسماء يعتبرون كل ما يصدر في الغرب واجبا مقدسا لازم نعمله، فأعادوا إنتاج هذه الكتابة، وهذه الكتابة قامت باستبعاد قارئ الأدب في العالم العربي الذي فوجئ بأعمال لا يفهم منها أي حاجة ولا تعبر عنه فانصرف عن قراءة الأدب، القارئ أي قارئ يحب الأدب الذي يمسه ويحس أنه يعبر عنه وعن مشاكله وأحاسيسه، الأدب الذي يحترمه ويحترم أحزانه، أيضا لا بد أن يكون الأدب ممتعا، الأدب ليس درسا ملزما للقارئ أن يقرأه، يعني أنا درست الطب، كانت مذكرة التشريح سخيفة جدا لكن لا بد أن أذكرها لأني سوف أمتحن فيها، لكن عندما أقرأ رواية لن أذكرها لأني سأمتحن فيها، الرواية لا ينبغي أن تكون الرواية بل ينبغي أن تكون ممتعة، اتجاهات الكتابة التي أسميها أنا عدمية تستبعد المتعة..
هل ترى أن حالة الإسفاف التي تعاني منها السينما المصرية وراءها بعدها عن الأعمال الأدبية؟
} أسباب كثيرة من ضمنها هذا السبب، يعني بعدها عن الأعمال الأدبية عنصر أساسي، يليه دخول منتجين لا يملكون أي قيمة فنية أو ثقافية، وحدوث تغيرات في المجتمع المصري جعلت في أوقات كثيرة جدا أعمالا مسفة أو دون المستوى يمكن أن تحقق نجاحا، ولكن نجاح عمارة يعقوبيان مثلا وأفلام أخرى محترمة أكد أن الجمهور في مصر ما زال بخير، بدليل أن فيلم عمارة يعقوبيان حقق نجاحا ضخما جدا، رغم أنه خال من الفكاهة، حتى الأستاذ عادل إمام يعد هذا الفيلم من أكثر الأفلام التي لم يكن فيها كوميديان، دوره كان كبيرا جدا في الفيلم ولكن لم يكن شغله الأساسي كوميدي في الفيلم، ورغم ذلك دخلت الناس الفيلم حتى وصل الأمر أن لا تجد في حفلة الواحدة بعد منتصف الليل كرسي في أربع خمس سينمات، مما يدل على أنه الذوق المصري ما زال بخير، وأن دعاوى انحطاط الذوق ولازم نمشي معاه، غير حقيقية، ومن يدعي ذلك يريد أن يستثمر الانحطاط، وإنما واقع الأمر ما زال في مصر فعلا من يشاهد أو يحب أن يشاهد فيلما جادا، وما زال في مصر من يحب أن يقرأ رواية قد تكون ممتعة وقد تكون جيدة.
هل أنت راض عن الفيلم، عن السيناريو، عن الإخراج، عن أداء الممثلين، وهل توقعت له كل هذا النجاح الكبير؟
} طبعا، بدون أي مجاملة الفيلم علامة فعلا في تاريخ السينما المصرية والعربية، وأنا فخور به جدا وسعيد به جدا كمتفرج وكمؤلف للرواية، وأنا شاهدته قبل أن يحصل على أكثر من جائزة مهرجان ترايبركا، وهؤلاء أميركان لن يمنحوا فيلما أكثر من جائزة لأن لهم علاقات أو مصالح، وسمعت وقرأت ماذا قيل عنه وعن الممثلين وعن المخرج الموهوب مروان حامد وعن السيناريو، فعلا أنا سعيد بالفيلم جدا..
ما علاقتك بالسياسة؟
} أنا لا أعتبرها سياسة، أنا أعتبرها علاقتي بوطني، بلدي، بالناس الذين أنتمي إليهم، ولدي وجهة نظر أننا نعيش في بلد هو مصر المتعلم فينا تعلم على حساب الشعب المصري، أنا تعلمت في أميركا لكني تعلمت في مصر حتى تخرجي على حساب الشعب المصري، وبالتالي في مجتمع نسبة الأمية فيه 40٪، من يتعلم ويكمل تعليمه في الجامعة يرتب عليه واجبا وطنيا، المصري العادي يعاني، معلوماته وثقافته ربما لا تؤهله لفهم المشكلة وراء هذه المعاناة، أنا وأنت لأننا متعلمون وجامعيون نفهم أين المشكلة، وبالتالي علينا أن نتحدث باسم هؤلاء وهذا واجب وليس سياسة، ومنذ عودتي من أميركا عام 1990 حتى الآن لم أنقطع عن كتابة مقالات سياسية ولم آخذ عليها جنيها واحدا، كتبت في الشعب ثم في الأهالي، ثم في العربي الناصري، وأكتب مقالا شهريا، وتأتيني عروض للكتابة بفلوس وأعتذر عنها لأني أريد أن أتفرغ للأدب، وهذا المقال الشهري لا أنقطع عنه أبدا، هذا عمل عام، عمل وطني، مصر لو بنتكلم عن مصر بالضبط وكأنها عملاق موثوق الأيدي، أنا أراها كده، شوف أنت يما يبقى عندك عملاق عنده قوة رهيبة بس متكتف، التكتيف ده من الاستبداد، يعني أنا تعلمت في الولايات المتحدة ولا ـ وطبعا ده موضوع في روايتي القادمة التي انتهيت منها وتنشر قريبا بعنوان شيكاغو في دار الشروق ـ معندش فكرة كيف إن العرب والمصريين في الخارج بيعملوا إنجازات لا تتخيلها تجعلك تفخر بأنك عربي، هؤلاء عندما يرجعون إلى بلادهم لا يفعلون شيئا لماذا؟ لأن النظام استبدادي، والنظام الاستبدادي قوة طاردة للمواهب، يعني أنت في مصر المشكلة في إيه أن الشخصات الموهوبة تعاني لماذا؟ لأن النظام مش عاوز موهوبين، النظام ـ لا مؤاخذة يعني ـ عاوز أفاقين، إنما مش عاوز موهوبين.
كيف ترى لمستقبل مصر؟
} ما يحدث في مصر الآن لن يحدد مستقبل مصر فقط ولكن سيحدد مستقبل العالم العربي كله، مصر هي البلد الأكثر تأهيلا للديمقراطية لأسباب كثيرة جدا منها أنها الأكبر حتى على مستوى تعدادها السكاني وهي الأكثر تاريخا في مجال الديمقراطية، فنحن أقدم برلمان، وأقدم دستور، في بداية العشرينيات كان في مصر رئيس وزراء اسمه يحيى إبراهيم باشا نظم انتخابات نزيهة وسقط هو نفسه فيها، هو نفسه رئيس الوزراء نظم الانتخابات لم يزورها ففقد مقعده.
الآن هناك معركة حقيقية ما بين الديمقراطية والاستبداد في مصر، معركة تشعر بها يوميا في كافة وسائل الإعلام، المعركة محتدمة واللحظة الحاسمة ستكون ,2007 هذه المعركة لن تحدد تاريخ مصر فقط ولكن ستحدد تاريخ العالم العربي وعلينا أن نعود إلى الوراء لنجد أن الثورة عندما قامت في مصر حدثت ثورة في العالم العربي، عندما توجهت مصر نحو الاشتراكية توجه العالم العربي نحو الاشتراكية، عندما توجه الرئيس السادات إلى الولايات المتحدة المنطقة كلها تقريبا ذهبت إلى حضن الولايات المتحدة.
فما يحدث في مصر سيحدد مستقبل الديمقراطية في العالم العربي، وهذا الكلام لا أقوله أنا، هذا الكلام منشور في دراسات أميركية وإسرائيلية وأنا قرأته، ومن ثم علينا نحن كمصريين أن ندرك أهمية اللحظة التي تمر بها مصر، هذه ليست لحظة عادية، علينا أن نطالب بالديمقراطية، لأن الديمقراطية نحن نستحق الديمقراطية، لأن هذا البلد العريق يستحق الديمقراطية ولا أتخيل إطلاقا أن مصر بتاريخها الذي قدمت حركتها الوطنية شهداء منذ عام 1882 حتى 1952 قدمت آلاف الشهداء عشان الاستقلال في النهاية تورث البلد من الأب إلى الابن ببساطة وكأنها محل تجاري أو مزرعة، لا أعتقد أن هذا سيحدث إطلاقا.
(القاهرة)
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الأسواني: الحاكم المستبد لا يفهم الثقافة”

  1. نعم يا استاذنا الكبير

    ما كتبته وقلته فى هذه الاراء هى الحقيقه بعينيها

    هو ما يشعر به كل مصرى شريف قد لا يستطيع البوح به

    فلك منى ومن كل مصرى شريف تحيه تقدير واحترام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر