لحظة الكسر .

كتبهاعلاء الأسوانى ، في 5 أغسطس 2007 الساعة: 09:17 ص

لحظة الكسر

5- قصه قصيرة بقلم / علاء الأسوانى

                        (1)  

صاح بائع الجرائد وتغيرت الإشارة وانطلقت سيارة سوداء مسرعة وكادت أن تدهم سيدة بدينة محجبة , واشتبك زوج السيدة مع سائق السيارة فى مشاجرة عنيفة … , وكأنه يرى كل ذلك من وراء زجاج سميك بارد , وجوه المارة وضجيج السيارات وألوان النيون على واجهات المحال , كل شىء حوله كان يختلط فى خلفية مشوهة وبعيدة .. كل شىء كان خارجا" عنه . توقف ذهنه فى لحظة واحدة . لم يتجاوزها . لحظة باهتة راكدة تتخلللها غيوم وتهاويم , تماما" كتلك اللحظة التى يمر بها ذهنه قبل أن يغشاه النعاس , فى ذلك الجزء الصغير المتناهى فى الصغر من الزمن الذى يفصل بين اليقظة والغيبوبة .. وعندما انتبه كان يعبر (( ميدان سليمان )) وكانت الساعة قد جاوزت الثامنة وكان أصحاب المحلات يغلقون الأبواب بصفائح حديدية مستطيلة كلها مطلية باللون الرمادى . لفح وجهه هواء بارد وفكر فى مكان يذهب إليه , تذكر بارا" صغيرا" فى عماد الدين كان يشرب فيه أيام الجامعة , هناك لن يلقى أحدا" يعرفه , استدار ومشى خطوات فى اتجاه البار لكن هاجسا" سخر فى ذهنه بأنه يبدو الآن كممثل ردىء فى فيلم لحسن الإمام , أبطأ السير وتردد قليلا" ولكنه عاد وأكد لنفسه , إنه فعلا" يحتاج إلى كأسين وبعض التفكير .

                   (2)

الوقت مبكر والمكان خال إلا من بضعة رواد التفوا حول موائد متفرقة وهو دلف بهدوء إلى أقصى القاعة بغير أن ينظر لأحد حتى لايضطر لإلقاء السلام , والإضاءة ضعيفة وغطاء المنضدة مهترىء وقذر والمكان يفوح برائحة رطبة تضايقه والنادل نوبى عجوز أسنانه مهشمة ويبتسم بأدب والبراندى الدوبل والترمس والبيبسى تكسر حدة الكحول والكأس الأولى والثانية والثالثة وسرت إليه الدهشة , تملكته . دهشة حقيقية لكنها ليست عابرة كتلك التى تصيبه كل يوم . بل شعور ثقيل بعدم الفهم عرفه من قبل لما رأى الموت أول مرة . يومها كان أبوه ممددا" على السرير تغطيه إلى الصدر ملاءة بيضاء وكان فمه مغلقا" , وعيناه مغمضتين وبدا وجهه عاديا" كأنه نائم , الفرق الوحيد بينه وبين النائم كان بعض الإربداد , الإربداد الخفيف للغاية على الوجه الذى لا يمكن أن يلحظ لأول وهلة وقد لا يلحظ مطلقا" , هذا الإربداد كان هو الموت , وشعر يومئذ كما يشعر الآن , أحس بأنه لايفهم وأنه حزين , وأنه هزم فجأة وبغير مبرر , وأن هزيمته ثقيلة وقاسية ونهائية وأن البقايا فى لحظة الكسر تصدر صوتا" عاليا" ثم تتناثر مرة واحدة أخيرة وتنتهى .

                 (3)

فى الصباح البارد كان ينتظرها , يقف بجوار محطة البنزين ويدخل يديه فى جيوب المعطف ليشعر بالدفء , ويظل يتطلع إلى أول الشارع حيث سوف تظهر وتأتى هى دائما متأخرة ضاحكة معتذرة ويظل شعرها القصير يهتز وهى تمشى بسرعة , هل يعرف أحد سواه سر تلك الخصلة . الخصلة الصغيرة تماما" التى تتدلى على جبينها تخفى ندبة من أثر جرح قديم . عندما تزوجا قضيا أياما" فى بنسيون رخيص فى الإسكندرية وقالت له وهما عائدان :

- إذا سألنا الأصدقاء سوف نقول أننا نزلنا فى ( فلسطين ) وأجابها – ضاحكا" – بأن الأغنياء لا يذهبون إلى الإسكندريه فى مثل هذا البرد لأن أمامهم الأقصر وأسوان .

                         (4)

هذه الحروف الصغيرة السوداء المتشابكة لها عيون ! عيون حقيقية تحدق وتنتعش بالفرح أو تغيم بالحزن وهى الآن تتأمل فى تردد وقلق وشىء ما يتأرجح – بنفس القوة – بين السخرية والإشفاق .

حبيبتى ناهد …

اليوم 20 مايو !! أتذكرين ؟! إننى يا حبيبتى …

لا يتذكر الآن تماما كيف صعد الدرج ولا كيف وصل إلى شقته لكنه يذكر بوضوح أنه وجد الصالة مضاءة ورأى على المنضدة عشاء" كانت قد أعدته له وغطته بورقة جريدة ( وكان فيها صفحة الرياضة ) ثم اتجه إلى غرفة النوم وفنح الباب بهدوء وضغط مفتاح النور .. كانت نائمة وكان الصغير قد تكور جسده والتصق بها ودس رأسه بين ذراعيها ومد يده وهزها فأفاقت وابتسمت لما رأته , وأشار لها أن تنهض فنهضت وتبعته إلى الخارج بخطى خفيفة لئلا توقظ الصغير ثم جلست على الأريكة فى الصالة , كانت ترتدى قميص النوم الوردى ذا الأكمام الطويلة وقالت بنبرة عادية وهى لم تفق تماما" من أثر النوم :

- أزيك …!

ظل صامتا واستدار ومشى ببطء حتى قارب مدخل الشقة ثم عاد أيضا" ببطء وقال فجأة وهو ينظر إلى الأرض :

- ناهد .. إحنا لازم نتطلق !

ونظرت إليه ورأى فى عينيها كل شىء كانت نظرتها ثابتة مستريبة ومرت لحظة ثم قالت بصوت متماسك ( وكأن ما قاله عادى ومألوف ويحدث كل يوم وكل ما يضايقها هو حدوثه المتكرر )

- خير ياسيدى ؟!

ودس يده فى جيبه وأعطاها الخطاب ( فعل ذلك فورا" وكأنه ينتظر سؤالها وبدت سرعته طفولية على نحو ما ) وتمتمت هى بشىء وهى تبسط الورقة المطوية وقرأتها أو أنها تظاهرت بالقراءة لحظات لتمنح نفسها بعض الوقت  ثم تمالكت نفسها ووضعت الخطاب بهدوء بجانبها على الأريكة وتنهدت وقالت ما معناه أن نوعا" من سوء التفاهم قد حدث وأن الأمر ليس كما يتصوره وأنه يجب أن يعطيها فرصة لتشرح الموضوع بالتفصيل وبعد ذلك يحكم عليها ثم انقطع كلامها لأنه صرخ فجأة بنبرة عالية محشرجة بدت غريبة له نفسه , قال لها : أنت مومس أو عاهرة أو شىء كهذا لا يذكره بالضبط , وسنحت فرصة أخيرة فرمقته وصاحت بغضب بالغ :  - أنا لا أسمح لك …

وأسكتتها اللطمة الأولى , أصابت رأسها بقوة فمالت وارتطمت بحاجز الأريكة الخشبى الداكن ولطمها على وجهها مرة ومرة أقوى ثم قبض يديه وانهال على وجهها ورقبتها وصدرها وأخذ يركلها بقدميه فى ساقيها العاريتين ولم يتوقف عن الضرب حتى لمح خيطا" رفيعا" من الدم ينسال من الأنف , وتطلع إليها لاهثا" , لم تكن تبكى وأمالت رأسها إلى الأمام ببطء فتدفق الدم على قميص النوم وقالت بعد لحظات بصوت ميت تماما" : - ممكن أنصرف الآن ؟!

لم يرد وكان قد أعطاها ظهره ولم يلبث أن لمحها بطرف عينه وهى تنهض ثم سمع باب غرفة النوم يغلق , ولم يذكر كم مرة أحضرها فى تلك الليلة , ثلاث أو أربع مرات , وفى كل مرة كان يفتح الباب ويضىء النور فيجدها راقدة بجوار الصغير وقد أغمضت عينيها وكان يعلم أنها مستيقظة لكنه مع ذلك كان يهزها وكأنه يوقظها ويدهشه الآن كثيرا" أنه كان يوقظها برفق , كان يمد أصبعه ويضغط على ظهرها ضغطة رقيقة وكأنه يوقظها لأمر عادى فى ليلة عادية , ويدهشه اكثر أنها كانت فى كل كرة تفتح عينيها وتلتفت وكأنها تستيقظ ثم تنهض بهدوء وتتبعه إلى الخارج , كانت تستطيع أن ترفض أو تصرخ أو تتشاجر أو تعترض أو حتى توقظ الصغير لكنها لم تفعل , كانت كل مرة تتبعه , تمشى وراءه كحيوان صغير أليف حتى تصل إلى الأريكة فتجلس وتطرق برأسها وبغير أن تتكلم كان يهوى بيده عليها من جديد وكان جسدها عندئذ يتقلص من الألم وتصدر عنها أنات مكتومة خافتة لكنها لم تكن تبكى , لم تدمع مرة واحدة , لم تكن تتقى ضرباته بيديها , كانت تستسلم له تماما" حتى يفرغ ويبتعد عنها لاهثا" فتنسحب من جديد إلى الحجرة , ومن جديد يدخل إليها ويحضرها ويضربها , وفى المرة الأخيرة , لما جلست أمامه لم يضربها . راح ينظر إليها وأحست هى فرفعت رأسها إليه , كانت نظرتها قد صارت فارغة تماما" وكأنها لا ترى وكانت الكدمات تغطى معظم الوجه وكان بعض الدم متجلطا" تحت الأنف وكان جرح صغير حديث تحت العين قد بدأ ينزف

وتراجع هو خطوة واستدار ومشى حتى واجه النافذة المغلقة ثم انحنى فجأة وبدا وكأنه يراقب شيئا" ما على الأرض ثم وضع يده على مقبض النافذة وبسط اليد الأخرى على الزجاج وأشاح بوجهه بعيدا" وزم شفتيه محاولا" لكنه فشل وأجهش بالبكاء .

 انتهت .

 

 

           

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

21 تعليق على “لحظة الكسر .”

  1. اعذرنى استاذى على نقصيرى فى ابداء تعليقى الآن

    وأقدم لك هذة القصة الطويلة , أو سمها الملحمة الناقصة أو سمها ماشئت

    نريد انقاذ شعبنا وأنفسنا من الفساد والظلم ومواجهتهما بالطرق السلمية

    وأدعوك الى المشاركةأ و ابداء الرأى

    وشكرا

  2. استاذا القدير د.علاء

    ليس من المعقول ان يقوم جرذ صغير مثلى بالتعليق على ما كتبة هرم عظيم بوزن علاء الاسوانى بل انة لشرف عظيم لى انة يمكننى مراسلتك والكتابة اليك وانها واللة ليست من ضروب المبالغات ولكنها الحقيقة اسوقها فى تواضع …استاذى الجليل كعادة الطامعين ادعو شخصكم فى خضوع ليشرفنى بزيارة مدونتى البسيطة جدا ويسعدنى ويطربنى ان تضع لى تعليقا على ما اكتب يكن مصباحا ينير لى وتفضل بقبول فائق الشكر والتحية

    عنوان مدونتى …. yahiaghandy.maktoobblog.com

  3. ما اجمل ما سطرته يداك

    قصه تنقل لنا احاسيس الانسان لحظه انهزامه

    ويأسه وفشله

    مبدع دوما يا كاتبنا الكبير

    سراج حماد

  4. تحياتي لك اخي الكريم وها انا الي بدعوتك وازور مدونتك الرائعه

  5. سعدت بزيارتك

    اسلوب و اقعي جميل و الاجمل انك استخدمت الفصحي و لا اظن ان هذا يقلل من زوارك

    الذين لا يجيدونه

    لايهم المهم ان واقعيتك تصل الي القلوب

    اتمني لك كل التوفيق و النجاح

  6. أستاذ علاء

    سعدت جدا بدخولى مدونتك وسعدت أكثر بتلك القصص

    أحييك أخى الفاضل على أسلوبك وموهبتك وأجمل

    أمنياتى لك بالتوفيق دائمآ

  7. أعتقد استاذى ان حضرتك لست الشخص الذى يجهله احد أو يجهل احد اعماله العظيمة التى تعالج كثير من القيم والأوضاع فتحياتى لحضرتك

  8. استاذ علاء

    اتذوق الابداع لكني ولا استطيع الا ان اقول بأنك متميز

    اسعدتني زيارتي لك وهي ليست الاولى ولن تكون الاخيره

    تحياتي لك

  9. البساطة خلت القصة في قمة الروعة

    أتمني لك النجاح دائما

  10. مكسوف وانا بعلق

    بس لازم أقول حاجة انى عاوز أشوف الشخصيات ده واتكلم معاها وعاوزيهم يحكولى عن قصصهم ده وأسرارها .. وكل الحاجات الى التبست عليا عاوز اعرفها منهم شخصيا

  11. استاذ علاء

    اى شهاده فيك ستكون مجروحه

    رائع ولا تكفى استمتعت بكل حرف هنا وثملت

    كل المنى

  12. جميلة جدا …. لم تخل من السرد المنطقي وفي نفس الوقت تركتَ الباب مفتوحا في عدة مواضع أمام القارئ ليجمع شتات فكره ويستلهم ما أخفيتَه من أحداث وليكمل ما نقص منها لتزيد جمال القصة … مشكور علاء ….

  13. السلام عليكم

    هذه الحروف الصغيرة السوداء المتشابكة لها عيون ! عيون حقيقية تحدق وتنتعش بالفرح أو تغيم بالحزن وهى الآن تتأمل فى تردد وقلق وشىء ما يتأرجح – بنفس القوة – بين السخرية والإشفاق

    تلك الكلمات الصادفة من أروع وأصدق ما قرأت خاصة حين يكون للإنسان علاقة وثيقة بالحرف …

    أجمل ما في القصة هو ذلك التمازج بين الفلاش باك والحاضر..تلك المشاعر المتضاربة المتعانقة في آن وهي تشي للقارىء وفي نفس الوقت تصطحبه إلى عمق هذا الرجل الممزق..وحبه الكاره أو كرهه المحب لزوجته..رغم الألم..

  14. علاء الأسواني…

    رائع أنت تتقن فن الحكي …

    تتقن القدرة علي الرسم بالكلمات …

    تتقن عمل إخراج درامي عميق لشخوص واحداث قصصك ورواياتك …

    قادر أن تخطف قارئك لاهث الانفاس ….

    ليذهب معك حيث عوالمك المرئية والخفية …

    قادر أن تحوله لعاشق لما تحب وكاره لما لا تريد …

    فأنت عزيزي …

    تتقن فن التلاعب بالاحاسيس والاذواق…

    رائع ما كتبت …

    فقد صور هزيمة إنسان هذا الزمان…

    وأظهر الشروخ الكثيرة التي اجتاحت روحة …

    مما جعله فقط …

    قابل للكسر …

    لكنني عزيزي سأهمس في إذنك …

    لأقول :

    قد مضي زمان حواء المقهورة…المضروبة …

    فنحن في زمن حواء المستأسدة …

    ولا تخف عزيزي …

    لن أبلغ عنك جمعيات حقوق المرأة …

    فأنني بقصتك مبهورة …

    لهذا سأتجاوز عما فعلته بالمرأة في قصتك …

    لكنني أنتظر منك …

    أن تحسن صورتها في قصتك التالية …

    فهل تعدني بهذا…؟؟؟

    شكرا لك …

    دمت مبدعا .

  15. هذه هى نهاية من يشرب الخمر..

    وهذه حياة زوجة المخمور..

    هيه البلد ما فيهاش بوليس..

  16. الاستاذ علاء الاسواني

    ان وجود اسم كاتب له مكانته مثلك بيننا يثري الحوار

    و يجعله اكثر نضوجا

    شكرا لتواجدك

  17. يا لك من مبدعٍ كبير!! لا شك بأن مصر كلها فخورة بك يا أستاذ تحياتي لك يا أيه المصري الفرعوني…

    عمر هلسة /الأردن

  18. الستاذ المبدع /علاء الاسواني..

    استمتعت بمشاهده هذه القصه الجميله.

    اجمل امنياتي بالتوفيق.. ومزيد من النجاح..اشرف

  19. هل استسلامها له يعنى شىء؟ هل يعنى انها فهمت انه ربما يكون هذا التفريغ منتهاه ثم بمرور الوقت يقبل بالامر الواقع سواء كان قبوله بالتسامح عما مضى او قبوله تجاوزات اخرى جديده فى حقه . هل اصبح انسان مهان مهزوم بفعل فاعل ام انه اصلا انسان مهان و مهزوم بطبيعته ؟ هل هذا الرجل به امل ؟ ام ان الامل الوحيد فيه ان يشخص حاله وامراضه ويحاول ان يغير فى ما هو قادم , فى هذا الطفل الذى ربما يتغاضى عن كونه ابنه ام لا ولكنه يريد البحث عن مخرج ومستقبل جديد حتى لو كان البناء على انقاضه هو شخصيا .

  20. لابد انها مهدت كثيرا لهذا الانسان المهزوم وظلت سنوات و سنوات تمهد لاستقبال اى ضربه وقد جاءت الضربه وهو فى مرحله الاستعداد فما فعله ما هو الا ارضاء لنفسه واثبات لنفسه انه فعل شىء وهو لم يفعل اى شىء.( الوطن القاهر والجاسوس )

  21. كدت أبكي إشفاقا على ناهد، لولا أن اقتناعي برمزيتها فاق شعوري بكينونتها على الحقيقة!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر