نيران علاء الأسواني تخلد : بــؤس العجـــــز الإنســــانـي
كتبهاعلاء الأسوانى ، في 2 أغسطس 2009 الساعة: 10:13 ص
13-07-2009
كتبته / سلمى قاسم جودة
مجله آخر ساعه
نيران علاء الأسواني تخلد : بــؤس العجـــــز الإنســــانـي
علاء الأسواني مولع باقتفاء أثر المعذبين بالحياة وهم كثر.. يتوحد مع هؤلاء، ضحايا هزيمة الروح.. نذر إبداعه المجوهر علي مذبح الكرامة المفقودة.. البوابة الرجيمة المفضية إلي كل آلام وعذابات المصري الجديد.. هو يدلف إلي العالم السري لمن ضاقت بهم الدنيا بالرغم من رحابتها.. يتقن التلصص الأدبي فيلج إلي العوالم الخفية العامرة بلحظات الانكسار الحميمة، من ثقب الباب يتوغل في غياهب النفس البشرية فيرصد ويدنو الأديب والطبيب علاء الأسواني من خلال مجموعته (نيران صديقة) بعذوبة آسرة من الذين سقطوا في براثن هاوية غربة الفقر، القهر، الظلم وتابعهم الفادح، بؤس العجز الإنساني المفضي إلي الأسي.. قصص علاء القصيرة تمور بالشجن وهو الحزن في أعذب أحواله، شجن غير محتمل، هو يحول حيوات البسطاء ضحايا العجز الوجودي، الاجتماعي، السياسي والنفسي المؤطر والزيف الديني إلي إبداع نفيس، نقوش مرهفة علي وجنات البنفسج التي تقطر حزنا غميقا لتتحول كتاباته إلي جسر مضيء يصل بين الشرق والغرب، فكان الاحتفاء به غـربا غير مسبوق فإبداعه يضوي بألق الصدق، الجسارة تعرية القبح والتشوهات التي نالت من صفاء الشخصية المصرية، ومنذ إشراقات القرن 21 سعي علاء الأسواني إلي تلبية نداءات، رغبات واحتياجات القارئ المطمورة منذ أزمنة فكان بمثابة القرين لأبطاله وقرائه فكان البعث للرواية الاجتماعية شبه المندثرة، وكانت انتعاشة مبهجة للمشهد الإبداعي باعثة أمل صار قصيا. فكان أن منح القاص للقارئ فرصة التحليق في آفاق النوتسالجيا أو الحنين لما كان وما لم يكن، أيضا شفي غليل القارئ المكبوت، المتفرج علي الفساد المزمن والمعربد، فتحققت عملية الفصد المنشودة.وهكذا أشعل د.علاء الأسواني الحرائق الأدبية فهو مصاب (بالبيرومانيا) أي شغف إشعال النيران ولكن هي حرائق إيجابية تضفي حيوية دافقة، تحض علي الاستيقاظ، الصحوة الوجدانية والفكرية وتجتاحني الدهشة عندما يتعرض للهجوم والنقد غير الموضوعي بأنه علي سبيل المثال فتح الباب علي مصراعيه لهذا الشلال الهادر من الأعمال منزوعة القيمة فحرية الاختيار مكفولة ويكفي أن هناك إحياء لعملية القراءة، أو نقد جسارته في تعرية عورات المجتمع الذي انقلبت قيمه وصار الأدني هو من يتربع علي القمة وأقصد هنا الأدني أخلاقيا وفكريا وليس بطبيعة الحال طبقيا أو ماديا، ثم الانحراف والشذوذ الجنسي فهو موجود ولكن المصريين الجدد لديهم ولع بطقوس النعام!
في نيران علاء المكان هو المدينة والمكان يحاكي الزمان، يبث السقوط، فالكل أسير ومعزول في أغوار دنياه الذاتية الناضحة بالإخفاق والفشل في تحقيق أبسط الأشياء ولا أستطيع أن أقول أحلاما فتلك رفاهية وعالم مسحور لايطمح إليه الأبطال الضد في قصص علاء، ففي قصته البديعة، الجديدة (إنا أغشيناهم) يرصد مأساة الشخصية التي تعجز عن الاحتفاظ بماء الوجه من خلال أبسط وأيسر مظاهر الحياة، فالوظيفة، الحاجة سريالية وعبث المرتبات تحض الموظف علي ارتداء الملابس الرثة، المهترئة التي أنهكها الزمن فنحن هنا نغوص في العجز الذي يحاكي اللامعقول فتلك الاحتياجات الأولية، الضرورية هي تقع في خضم المستحيل ويجب اللجوء للجمعية والحرمان لمدة عام من ضروريات الحياة من أجل شراء 3 قمصان تهب الكرامة والاعتداد بالذات واستعادة ماء الوجه ويلجأ الموظف المقهور، المحاصر بالحاجة والفاقة والغلب الأزلي إلي الاستعانة بالآية الكريمة »وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لايبصرون« صدق الله العظيم لكي لايراه رجال الجمارك فيمر بالقميص فهو يلجأ إلي تكرار وترديد فأغشيناهم فهم لا يبصرون مرات ومرات وهذا من الممكن أن ينطبق علي وقوع الإنسان في كرب عظيم، محنة فادحة، خطر محدق، حرب. مرض، جريمة شنعاء أما أن يصبح هذا الهلع، الانكسار، الخوف بفعل الرغبة في الاحتفاظ بالقميص الجديد الذي يستر ماء الوجه ولرأب الصدع الذي نال من وهج الكرامة فتلك هي المأساة المروعة التي تسحق وتهشم وتصيب إنسانية الإنسان في مقتل ليصبح بين عشية وضحاها أبسط الأحلام هو أصعبها.
فالطبقة الوسطي سقطت من أعلي إلي أسفل، لتفتك الحاجة الملحة والفقر المدقع والفجوة الطبقية بزهوة الكرامة، (إنا أغشيناهم) قصة شديدة النعومة، فكيف ياعلاء تكتب بهذه العذوبة والرهافة عن هذا البؤس البين، وهذا الانكسار السافر، هي بمثابة اقتناص لقطة أو نغمة تتصاعد في كريشيندو بديع بسخرية سوداء، علاء الأسواني يتقن التماهي بل الذوبان في العالم السري، المحكم، الموصد علي الغلب، الشقاء والعجز لهؤلاء الذي نفخ فيهم من روحه الإبداعية وتلتحم قصة (أمر إداري) أيضا بآلام العجز الوظيفي، ليفضي الحرمان من الحقوق والمتع الإنسانية البسيطة إلي الكبت الذي يسفر عن العنف فينهال عم إبراهيم المطحون المقهور بالضرب علي السيدة العجوز التي ترغب في زيارة ابنها، فهاهو عم إبراهيم الرجل البسيط الذي قنع بأقل القليل والرضا بأرخص ليالي فأحلامه الشحيحة وطموحه المروض يتلخص في كسوة أولاده، دخان سجائره وقطعة حشيس صغيرة تمنحه نشوة عاتية مع زوجته في ليالي الجمعة ولكن حتي غرائز البقاء الطموحات المشروعة، المتواضعة تصطدم بالواقع المترع بالقسوة، الديكتاتورية، القهر والحرمان فينقل من عمله البسيط الذي يتيح له بعض الستر، العزوف عن التسول والقليل من المتعة ليواجه مرارة العجز فيلجأ إلي العنف، القسوة والوحشية وهو مانواجهه اليوم في مجتمعنا حيث يلوذ الكثير بالجريمة فتتفجر شوارد اليأس العاصف من الواقع المجهد المبتسر ومن الغد، المجهول، القاتم وتبزغ قصة المرمطون نعرفها جميعا، نمارسها أو نسمع عنها أو نصبح من ضحاياها، القهر الوظيفي التسلسلي، القهر التدرجي الخاضع لمنظومة دقيقة hierarchie الظلم والمهانة المتسلسلة تهبط من المسئول الأكبر إلي الأقل إلي الأدني، حالة من الثأر المتدرج، المنظم، الغل الجماعي، فالأقوي يدهس الأضعف والأضعف يسحق الأدني وهكذا، ولا مجال في قصة (المرمطون) للكفاءة العلم، الاجتهاد، الدأب، المعرفة، القيم الحقيقية، الثمينة لامكان لها، فالنجاح والنبوغ من نصيب من يتهاون في كرامته، عفته، فضيلته، فهاهو الدكتور هشام الطبيب اليافع النابه، المفعم بالنضارة وطزاجة الآمال. الطبيب النابغة لا ينفعه نبوغه ودأبه ولكن سوف يحقق أحلامه عن طريق السقوط في هوة الشذوذ الجنسي مع الدكتور بسيوني، الطبيب الأشهر الصارم، المزدوج فلامكان في مهانستان تلك، إلا لمن يتقنون العزوف والتخلي عن الكرامة والمبادئ، فإما المديوكر أو أصحاب القامات الضئيلة والأقزام ومبدأ تفضيل الولاء علي الكفاءة وإما النبوغ ولكن مع الكرامة الإنسانية المنزوعة وتقبل الظلم، القهر، الفساد كقدر محتوم وتتبع قصة (المرمطون) قصة علاء الجديدة (لماذا يا سيد ؟؟؟؟ (سؤال).
وأقول: لماذا ياسيد يا عبد التواب؟ تبيع نفسك لمن يدفع الثمن لماذا ترضي بالخنوع وفقدان الكرامة، النخوة، لماذا ياسيد تندفع في هاوية الشذوذ الجنسي مع رجل يمنحك حفنة من الدولارات، لماذا ياسيد هل لأن المجتمع يفقد القدوة، الأمل، الرمز، هل هي تلك الآفة والوباء الذي ينهش في جسد المدينة الفصامية، الجانحة إلي السقوط والموات ومن ثم تلتهم الضباع الأخضر واليابس بحجة تبرير كل شيء فتارة هي ضائقة مالية تحض علي الجريمة الوحشية والنحر الهمجي وتارة تحض علي غواية الانحراف، وهكذا يمضي علاء الأسواني ينزع الأقنعة البالية، والوجوه الملثمة بالزيف الدميم، يقبض علي لحظات الانكسار يكثفها يختزلها، يدمجها يبرز مدي قبحها يجعلنا نود الفرار نرغب في التغيير، التطهر فنيرانه تضرم الرغبة في التطهير. وتبزغ قصة (لحظة الكسر) أيضا ترصد هي فقدان الكرامة بنعومة مخملية لزوجة تتلقي في صمت، وخنوع لكمات زوجها، هي بمثابة ذبيحة تتلقي الاتهامات، الضربات والرجم.
في عالم علاء الأسواني الأحداث تدور دوما في أماكن مغلقة، حجرات محكمة، موصدة علي خبيئتها، أسرارها لا يتسلل لتلك الأمكنة الهواء النقي.
عالم سفلي، يختنق، تجثم علي أنفاسه سكرات السقوط والعجز فلا مكان في تلك الدنيا الضيقة، الحالكة المهلكة لنسيم النيل الليلي، أو لذوبان الشمس الشجي في بوتقة الوجود، لا مكان إلا للصراعات الخفية التي تنذر بالانكسار بتخاذل الروح وهزيمتها، نجحت في الفرار منها بطلة قصة علاء البديعة، الجديدة ( لاتيني ويوناني) استطاعت نادية، الرقيقة، العائشة في الحلم الذي يغمرها بفعل شغفها بالقراءة فهي مصابة (بالبوفاريزم) وهو نسبة إلي (مدام بوفاري) رواية فلوبير الشهيرة فكانت البطلة تعشق القراءة وتعيش في عالم آخر مواز لدنيا الواقع وهكذا فنادية تلك النسمة العذبة، نبتت علي أرض الحاجة والعوز والفقر المدقع مسئولة عن أمها وشقيقتها تتقدم لإعطاء دروس اللغة الفرنسية لابن رجل بورجوازي تعود الأمر والنهي بفعل المال والجاه وعندما يناوش كرامة تلك الفتاة البسيطة ترفض، تمضي، تذهب، وتضحي من أجل الاعتداد بذاتها فلقد ارتوت نفسها وامتلأت بثمار الثقافة والجمال، وتنفر نفسها الرقيقة، المتحضرة من طقوس الزفاف الوحشية، القاسية، الفجة التي تعج بها بلادنا فتلك الفتاة المتوحدة، العائشة في الحلم كادت تتقيأ عندما شهدت حفل زفاف ريفيا »كان الجنس يسيل من كل شيء«.. بدءا من حشيش الرجال. إلي لمزات النسوة.. وهكذا حظيت هذه المرة بطلة علاء بالنجاة من هذا العالم القبيح، الغارق في العبودية وسحل الكرامة الإنسانية، مجتمع احترف سحق ووأد البراءة، نضارة الحلم وطزاجة الأمل. وتأتي رواية علاء القصيرة شاهقة العمق (أوراق عصام عبد العاطي) لتعلن عن السقوط الوجودي المفجع وعن أمراضنا المصرية المتفاقمة، عن الزيف الديني، عن تجنيس الدين وتديين الجنس، عن الشوفينية والانغماس في التعصب القبلي والوطني، عن تشوهات النفس البشرية، يسطر بتجلي زيف الطقوس العقائدية عندما تنأي عن الجوهر.
عصام عبد العاطي عاقل في مجتمع شائه، يتجرع التيه ويلوذ بالازدواجية، (الميتومانيا) أو هوس الكذب، وعقلية القطيع ليعري، ويهتك الغلالة البائرة التي لم تعد تستر عورات المجتمع المتهاوي في براثن الضلالات والخرافة والكذب. ثم تطل قصة (أختي الحبيبة مكارم) لتعلن سمات وشخصية بعض المصريين الجدد الذين يلجأون للخطاب الديني في كل لحظة كنوع من المزايدة والهروب والتستر وراء القناع الديني وهم يقترفون أبشع الجرائم بداية من النذالة ووصولا إلي الجريمة، فها هو الشقيق الذي لفحته أصداء التيار الوهابي يلجأ للخطاب الديني ليتخلص من مسئولياته تجاه أمه المريضة وشقيقته البائسة ذروة النذالة، الزيف، الرياء، التدليس فكل شيء ممكن ومبرر وحلال مادمنا تلفحنا بالغطاء الديني كل شيء يصبح مباحا حتي القبح، الفساد، والنذالة، أيضا في قصة (فستان قديم وغطاء للرأس) المظاهر والأعراض الدينية والخطاب الديني رخصة وبوابة يدلف منها كل من تسول له نفسه اقتراف الفواحش. علاء الأسواني يحول تلك اللوحات الإنسانية الخاطفة إلي أدب يصدح بجاذبية آسرة، هو ينزع السديم الذي يحجب الحقيقة، يتقن التحرش الأدبي ليسطع واقع البسطاء، الأغلبية الصامتة، الصامدة في مواجهة العجز بكل أشكاله وأرجع هنا ماسطرته الأديبة البلجيكية إميلي نوتومب »إن حكمة الآخرين لاتجدي فعندما يأتي الإعصار، الحرب، الظلم، العشق، المرض، الآخر نحن دائما بمفردنا،. وكأننا ولدنا للتو ونعاني دائما من اليتم«، وأخيرا قصة (زتامنديس .. صورة أخيرة)، الأديب علاء الأسواني مسكون بالحنين، مازال طفل الأمس، الصبي المسبي برحيق ورونق مصر الكوزموبوليتانية، الليبرالية، الجميلة فهو إلي الأمس المدبر يلتفت، يكتنز رحيق الأيام الخوالي مثل كل من يعتنقون الرومانسية فما أكبر الفجوة بين يوم الأحد سنة 61 وأيام الأحاد المعاصرة، آه من الزمن وآلته الجهنمية فها هو الصبي الشاهد علي قصة حب بين والده والسيدة الأجنبية المليحة، وسط البلد العمارات ذات الأعمدة الرخامية وتلك اللفحة الرطبة التي تسكر الروح وتروي النفس الأحد سنة 61 لقاءات العشق وقت القيلولة والايحاءات الإيروسية الناعمة الصادحة، بالمتعة الحسية الراقية بين الأب والسيدة الجميلة ثم تلك النقلة الزمنية العنيفة لما آلت إليه الأزمنة والأمكنة والشخصيات، فجروبي لم يعد كما كان والسيدة المليحة التي تغني لبياف الحياة وردية تجرعت النفي الزمني ومقبلة هي علي العدم فها هي بعد غربة الفقر، افتقاد الكرامة غربة الزمن، حقبة مغايرة شجن غير محتمل وشتان مابين هذا الأحد وذاك هوة شاهقة تشطر الذاكرة، تصدمها، الذاكرة الثملة بعطر الأمس المجوهر، وأخيرا أقول لعلاء الأسواني عن التوغل في عالمه الإبداعي مستعيرة ما سطره طه حسين وتوفيق الحكيم في »القصر المسحور«: »إن لقاءك فتنة وأن قصرك سحر، وأن من دنا منك لايستطيع أن يطيل النأي عنك وأن من خرج من قصرك لايستطيع أن يسلو عن الرجوع إليه«.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات نقدية عن مجموعة قصص نيران صديقة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أغسطس 3rd, 2009 at 3 أغسطس 2009 2:16 ص
تحليل في غاية الدقة وقد كتبته الصحفية سلمي قاسم جودة وهو منشور على موقع مجلة آخر ساعة على الرابط ده
http://www.akhbarelyom.org.eg:81/akhersaa/printArticle.php?x=akhersaa2009&y=3897&z=1323&m=6
تقبل تحيتي يا دكتور علاء
…
مدونة شلوت مزدوج
http://shlotmozdwag.blogspot.com
مقال يومي متجدد
أغسطس 3rd, 2009 at 3 أغسطس 2009 10:59 ص
اشكرك جدا استاذ حسام على الاضافه الهامة جدا
وهو مقال نقدى للاستاذة سلمى قاسم جودة من مجله اخر ساعه
اشكرك مرة اخرى