هموم إنسانية وديموقراطية في رواية (شيكاغو) لعلاء الدين

كتبهاعلاء الأسوانى ، في 29 أبريل 2009 الساعة: 21:13 م

 

كتبهاعلاء الأسوانى ، في 22 أبريل 2009 الساعة: 12:41 م

 

هموم إنسانية وديموقراطية في رواية (شيكاغو) لعلاء الدين الأسواني

حلب  جريدة الجماهير السورية

ثقافة

الاربعاء 26 / 12 / 2007

عدنان كزارة

 

يعود علاء الدين الأسواني في روايته الثانية(شيكاغو) ليرسخ قدمه بقوة في عالم الرواية العربية , ويختار هذه المرة أجواء جديدة , هي أجواء العالم الجديد الذي يتحكم اقتصاداً , وسياسة , وعسكرة , في كوكبنا الأرضي

, إنها أميركا , و(شيكاغو) بالذات , صاحبة السمعة الكبيرة في عالم الجريمة , والسرقة , والاغتصاب , وثالث المدن الأميركية أهمية ; ليحرك أحداث روايته على مسرحها, وعبر شخصيات مصرية ممزقة بين الوطن , والاغتراب , يدفع بها طموحها النخبوي , وانتماؤها إلى الأنتلجنسيا نحو مركز جاذبية العالم المتحضر , وتشدّها روابط الانتماء العاطفي , و تحاصرها علاقات النظام السياسي ; فتفرض عليها أن تعيش كوابيس حالة المطاردة , والخوف , وانعدام الحرية , لتبدو أشباحاً في صور آدمية , تعاني من الازدواجية , والهزيمة النفسية , وتمارس العدوانية , والنفاق تجاه الذات والآخر . تنقل هذه الشخصيات مشكلاتها إلى العالم الجديد, وعلى الرغم من محاولاتها الحثيثة للاندماج في المجتمع , وتشرّب عاداته , (نموذج رأفت خاصة) , بل وممارستها لاحتقار كل ما يمتّ إلى ماضيها بصلة , عبر الاستهزاء بالعادات المصرية , ومن يمثّلها , إلا أنها , في عمقها , تظل شرقية , وغير قابلة نفسياً للتكيّف مع واقعها المحدث , فعندما تتزوج (سارة) ابنة رأفت من عشيقها المدمن , وتحيا حياة حافلة بالإدمان والشدوذ , تثور شرقية (رأفت) , ويضرب ابنته ضرباً مبرّحاً , ثم يخسرها نهائياً , بعد أن يمهّد لهذه النهاية المأساوية في لا وعيها ; لأنها كانت تضيق ذرعاً بمشاجراته مع أمها , وتشعر بضياع الهوية , وحيرة الانتماء إلى أبوين مختلفين ثقافة , وفكراً , وروحا .‏

قد تسهل المقارنة بين رواية (شيكاغو) , وأعمال أخرى تعرّضت للعلاقة بين الشرق والغرب مثل : (عصفور الشرق) , ( الحي اللاتيني) , (موسم الهجرة إلى الشمال), لكن (البانورامية) التي امتازت بها )شيكاغو( , وطابعها المعاصر , وتداخل السياسي , والاجتماعي , والثقافي فيها , يجعل طعمها مختلفاً , وينأى بنا عن المقارنة السطحية , أو التفسير ذي البعد الواحد . إن شخصيات علاء الدين الأسواني لا تكابد حنيناً (نوستالجياً) , بقدر ما هي ضحية لضغوط نفسية , وقمع نظام , لا يحاول أن يتفهّم التحولات الديموقراطية العميقة لعصرنا , ويتعامل مع شعبه على أنه قطيع من السائمة , يمكن السيطرة عليه بالأجهزة الأمنية , والكلاب البوليسية . وفي رسمه للشخصيات الأميركية في الرواية , فإن الكاتب يتحرر من كل عقدة نقص , أو خصاء ذهني , ويحيل الشخصية إلى وعيها الطبقي, ومكانتها الاجتماعية ; لتصدر أفعالها عن تلك المكونات , بصورة طبيعية, ومنسجمة مع التنوّع الإثني , والديني , واللوني للمجتمع الأميركي , يظهر ذلك جلياً في مناقشة مسألة قبول (ناجي) الطالب المصري في قسم (الهستولوجي) بجامعة (شيكاغو) , حيث تتباين المواقف بين رفض وقبول , ويحسمها موقف (دنيس بيكر) العالم الأميركي , لمصلحة (ناجي) , إذ يناقش الأمر بعقلانية , وموضوعية , بعيداً عن (الشوفينية) القومية , أو التعصب الديني . إن هذا الموقف الذي يعزّزه مواقف أخرى للدكتور (جراهام) في نصرة الديموقراطية , وحقوق الإنسان , يشهد للرواية بغناها الفكري , وينبئ عن ثقافة كونية امتازت بها , ومنحتها أهمية الأعمال التي تصدت للتفاعل الحضاري من موقع تقدمي إنساني .‏

تقدّم الرواية العوالم النفسية المكتنزة للشخصيات , بأبعادها المختلفة , وتضعنا أمام صراعاتها المعلنة والمستترة , وتستجيب اللغة الروائية التي تحاكي الواقع بديناميته , وتعدّد مساراته , للقدرة التعبيرية عن اللحظات المفصلية في حياة الشخصيات , وتفاعلها الحي مع عناصر الواقع , ويبدو مبدع النص متمكناً من أدواته , وهو يدير هذا العدد الكبير من الشخصيات , ويصنع مصائرها من موقع السارد العليم , وبواسطة السرد , أو الحوار , أو المونولوج , ويبرع , خاصة , في وصف الشخصية وصفاً (مورفولوجيا) , أو تحليلها تحليلاً نفسياً معمّقاً . وعلى سبيل المثال فإن شخصية (صفوت شاكر), المستشار الأمني في السفارة المصرية بالولايات المتحدة الأميركية , من الشخصيات التي اشتغل عليها الكاتب , بدقة, فقدّمها نموذجاً فذّاً لزبانية السلطة , الذين يجتهدون في تسخير مواهبهم الشيطانية لتكريس سطوة النظام الحاكم , وإسكات الأصوات المعارضة , وتطويق كل محاولة لكشف سوءات النظام , حتى في بلد يتبجّح بأنه حارس للديموقراطية والحرية في كل بقاع الأرض . إن هذا الرسم المتقن للشخصية , داخلاً وخارجاً , يحيل إلى نوع من المماهاة التي يتخيلها القارئ مع هذه الشخصية , أو تلك , بحسب خبرته , وثقافته , ولربما أعطى للعمل , فضلاً عن عناصره الفنية الأخرى, قيمة إضافية , وعموماً , فقد كانت شخصيات الرواية جميعها , تنتهي إلى أزمة مع ذاتها , أو مع الآخر , وإذا علمنا أنها مصرية , وفي مرحلة اختبار للتعايش مع مجتمع غريب , أدركنا العبثية التي تتحصل شعورياً , كثمرة لهذا التلاقي غير الحميد بين عالمين , يتحصّن كل منهما بثقافته , وخصوصيته . الدكتور (صلاح) , وبعد ثلاثين سنة زواج من (كريس) , يفقد القدرة على التواصل معها , دون أن يكون هناك عائق مرضي أو نحوه , يقرر الانفصال عنها, والعودة بفكره , وخياله إلى حبيبته (زينب) التي تركها في القاهرة مع ذكريات لا تنسى عن الفترة الناصرية , وما سادها من أحلام فردية , وقومية , فيلجأ إلى العزلة , واستعادة تلك الأيام , بصورة طقوس يؤدّيها في اللباس , والاستماع إلى أغاني أم كلثوم , ومهاتفة أصدقاء الأمس . (ناجي) الثائر , ذو الأفكار اليسارية , المطلوب من قبل الأجهزة الأمنية المصرية , يخفق في إقامة علاقة حب دائمة مع (ويندي) اليهودية , ويخيل إليه في لحظة توهج عاطفي , أنه قادر , وحبيبته , على تجاوز حاجز العداوة التاريخية, والدينية الذي يفصل بينهما, حتى إذا ما تعرّض إلى أزمة بسبب مواقفه المعارضة للنظام , ترك لتداعيات الأزمة , ولردّ الفعل المستمدّ من اللاشعور , وعقدة الاضطهاد , ونفي الآخر , أن يكون صوتها أعلى من تلك العلاقة العاطفية . (شيماء) , الفتاة المتفوقة , ذات الانتماء الديني المحافظ , المتمسكة بالعادات والتقاليد , تتورّط عاطفياً مع صديق الدراسة (طارق) , الذي لا يختلف عنها كثيراً في خلفيته الفكرية , والاجتماعية , ويسوّغان لنفسيهما ما يقومان به من ممارسة جنسية , بتأويل النص الديني تأويلاً رغائبياً , على خلفية المحيط , ونظرته التحررية للجنس , وحين يخيّل إليها أنها قادرة على محو آثار الغلطة التي لا يغفرها مجتمعها المحافظ إلاّ بالزواج , تفاجأ بموقف (طارق) الرافض لهذا الحل , فلا تجد بدّاً من إسقاط ثمرة هذه العلاقة المحرّمة , منتظرة مصيرها المجهول . كل الشخصيات إذن , تعاني من الهزيمة الداخلية , أو من التمزّق النفسي بين الماضي والحاضر , المنتصر الوحيد من بينها هو (صفوت شاكر) , ضابط الأمن , ذو التاريخ العريق في تعذيب المعتقلين , وصاحب الطرق المبتكرة في انتزاع الاعترافات منهم , الطامح إلى كرسي الوزارة , الذي ينجح في إثبات جدارته بالتهيئة , والإعداد المتقن لزيارة الرئيس إلى العاصمة الأميركية , فهو لا يكتفي بتشديد قبضته على الجالية المصرية في أميركا , بواسطة عميله (أحمد دنانه) فحسب , بل ينسّق مع الأجهزة الأمنية الأميركية ; لشلّ حركة المعارضة المصرية, ومنعها من إلقاء بيان التنديد بالنظام , وفضح ممارساته أمام الصحافة العالمية . لماذا هذه الرؤيا المتشائمة في الرواية ? أهو الواقع عندما يكون أسود إلى ما لانهاية ? أم هي الإحباطات المتوالية فردياً وقومياً التي لا تترك فرصة وحيدة للأمل ? ربما كانت نقطة التفاؤل الوحيدة في الرواية ممثّلة بهذه الصداقة التي تقوم بين (كرم) القبطي , و)ناجي( المسلم , كرمز للوحدة الوطنية المصرية, لاسيما أن هذه الصداقة تأتي بعد تصحيح للمفاهيم المغلوطة حول العداء بين المسلمين والأقباط , وإدراك الرجلين أن الأمة المصرية بجناحيها المسلم والمسيحي , ضحية نظام قمعي لا عقلاني , لا يتورع عن لعب الورقة الطائفية لضمان بقائه . والأهم من ذلك أن هذه الصداقة بين (كرم) و(ناجي) , تحظى بمؤازرة الأميركي (جراهام) , الذي يمثّل الضمير الحي للشعب الأميركي , حيث تغدو العلاقة بين الثلاثة نموذجاً للعولمة الإنسانية في تساميها فوق العصبيات الضيّقة , ومقاومتها للإرهاب السياسي , والعقائدي , والأممي . وعلى الرغم من أن تخطيط الأصدقاء الثلاثة يُمنى بالفشل ; نتيجة جبن الدكتور (صلاح) في اللحظة الأخيرة , وتخاذله عن إلقاء البيان الذي كان من الممكن أن يسبب إحراجاً شديداً للنظام المصري , إلا أن مجرّد الخطوة باتجاه مقارعة السلطة الغاشمة , بغضّ النظر عن النجاح , أو الفشل , يعدّ , في الرواية , موقفاً متفائلاً, يحمل الكثير من الدلالة . إن علاء الدين الأسواني لم يشأ أن يزيّف الواقع , في رسمه لشخصيات الرواية , ولا تزال أمام المناضلين مسافات طويلة من الكفاح المضني ; للوصول بالمجتمع إلى الديموقراطية المنشودة .‏

على النقيض من الشخصيات المصرية المتّسمة بالتردد , والازدواجية , تبرز الشخصية الأميركية , في الرواية , شديدة الوضوح , قادرة على اتّخاذ القرار في الموقف المأزوم , تمارس حريتها في العيش , والتعبير , والعمل , ف(كارول) , عشيقة الدكتور(جراهام) , ضحية التمييز العنصري في مجتمع لم يترجم حقوق الإنسان إلى واقع , على محكّ العلاقة بين البيض والسود , رغم مزايدات ساسته الممجوجة في مجال الديموقراطية , وحقوق الإنسان , تتعرض للإهانة تلو الإهانة في سبيل الحصول على عمل يوفّر لها لقمة العيش , وتقبل أخيراً بعمل يمتهن جسدها , لكنها لا تشعر بالإثم ; لأنها طرقت جميع الأبواب الشريفة , دون جدوى, ولأنها تريد إسعاد (جراهام) الذي ضحّى براحته وماله من أجلها , وضمان مستقبل لابنها (مارك) . أما (ويندي), عشيقة (ناجي) , فلا تتردد أبداً في إنهاء علاقتها به , عندما تشعر أن لا وعيه لم يتخلص , بعدُ , من عقدة العداوة التاريخية , ورغم حبها له , وثقتها بأنه يحبها , إلا أنها أبت أن تضع نفسها في أرجوحة الشك , وقلق المصير ; فآثرت أن تدوس على قلبها لمصلحة كرامتها الشخصية . و(كريس) , زوجة الدكتور (صلاح) لم تستسلم للضربة الأليمة التي وجهها إليها , بانفصاله عنها بعد ثلاثين سنة , فبحثت عن إرواء لعطشها الجسدي , مغلقة الطريق أمام تشظّيها النفسي والجسدي , متكيّفة بصورة موضوعية مع الحياة التي لا تأبه للمستسلمين .‏

إن الموضوعة الأساسية في رواية (شيكاغو) ليست الدعاية لنمط المعيشة الأميركي , أو تبخيس النمط المصري , وإنما هي التصوير الواقعي والحيّ لثقافتين , يكمن الاختلاف بينهما في طبيعة نظامهما السياسي والاجتماعي , وأثره في تمتع المواطن بالحدّ الأدنى من حقوقه المدنية , أو حرمانه منها , وما يعقب ذلك من استواء أو تشويه نفسي , وعقلي , وسلوكي . إن ثيمتها الفكرية هي تحريض الوعي بضرورة التحرر من النظام السياسي , وجلاوزته , وهذا البعد الإيديولوجي يبرز من خلال السطور , وما تحتها , وأداته الفنية الوصف البارع لشخصيات النظام من الخارج , والداخل (الرئيس , صفوت شاكر , أحمد دنانه) وللأجواء التي تتحرك فيها . وتصطلح هذه الأداة مع الأحداث التي تغطّيها الرواية لتعطي للصوت الإيديولوجي قوته , وجهارته . قد يرى بعضهم في التباس العمل بالبعد الإيديولوجي على هذا النحو من الصراحة ضعفاً فنياً , أو أسلوباً ترويجياً , ولاسيما حين يصطبغ بالمشاهد الجنسية , وهي كثيرة في الرواية , بغضّ النظر عن وظيفتها العضوية , أو مجّانيتها , في حين يرى البعض الآخر أن هذا البعد , وبالشكل الذي تجلّى في النص , قد ارتقى بالعمل من كونه أداة للتعبير والتصوير, إلى كونه أداة للتطوير والتغيير .‏     

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات نقدية عن رواية شيكاجو | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر